قضى مجتمعنا المسلم المسالم ردحا من الزمن يقوم بفتوى ويجلس بفتوى ، يأكل بفتوى ويشاهد الحياة بمنظار الفتوى، حتى النوم والدخول إلى الخلاء لابد من فتوى تبيح أو تحظر، تحلل أو تحرم!
بعدها تداخل الديني مع السياق المجتمعي بشكل دقيق ومفصل، وبدأ الوعي الديني للأسف ينمو بشكل أفقي ، حيث تتناسخ الأفكار، وتتطابق الأشكال، وتتكرر المفاهيم بشكل كربوني عقيم.
كان للفتوى جهة رسمية مخولة بذلك ، تسير وفق توجهات معينة واتجاهات منظبطة ومقننة، ولم يكن يقبل من أي جهةٍ كانت داخلية أو خارجية التدخل ، مع أن الجهات الخارجية كانت حججها قوية وتستند على علم شرعي عميق ، ومباحث فقهية قوية ومقنعة ، إلا أن المجتمع تأدلج على مذهب واحد ومصدر وحيد ، وتبرمج على الصوت المطلق ، الذي يثق في توجهه الديني الخالص ، ويراهن على مصداقيته ونقاء سريرته.
وهاهو هذا المجتمع المسلم المسالم الآن تتقاذفه الفتاوى يمنة ويسرة ، وتطوّح به أمواج متلاطمة من تيار ديني واحد ، خرج منه أصوات كانوا ذات زمن رموزا للتشدد الديني في المؤسسة الدينية وخارج المؤسسة الدينية ، وبين الفئة والأخرى نقرأ فتوى لأحدهم تخلخل مفاهيم دينية سادت وفرضت وتبناها ذلك التيار ، لنجد خصومه هذه المرة ليسو من التيار المضاد أو المسمى بالعلمانيين واللبرالييين بل من ذات التيار الديني الذي كان متماسكا وبدأت رياح التغيير تهب عليه وتداعبه بنسماتها ، فأصبحوا يتصدون لبعضعهم البعض بلغة عنيفة ومناكفات شرسة تصل أحيانا إلى التسفيه والسخرية المحرمة شرعا ، والإشكالية أن هذه المعاراك الكلامية والتنظيرية لم تحتوى داخل البيت الصحوي بل طفحت على السطح بشكل مقروء أو مسموع ومشاهد عبر وسائل الإعلام ووسائط التقنية المختلفة .
الكثير من المراقبين يرون أن هذا الإختلاف أفرز تصدعا داخل البيت الواحد ، وانشقاقا وخروجا عن تبعية الرأي الأحادي والسكوت عن أحكام فقهية كانت مسلمات ولا يجوز الخوض فيها أو حتى مناقشتها في زمن ما ، وآخرون يرون أنها ظاهر صحية تعيد للتيار الديني حيويته ، وتوجد حراكا يتقاطع فيه المثقف مع رجل الدين مع رجل الشارع البسيط؛ لخلق مناخا خصبا للتعددية الإجتماعية والدينية ، وهذا من شأنه فك عقد مركبة شكلت احتقانات نفسية وأصبحت ذات أبعاد انسانية محبطة!
وهناك من شكك في النوايا الحسنة لهؤلاء المجتهدين ، وعلل هذه الظاهرة بحب الظهور والإقتسام من كعكة الشهرة ، والتسابق المحموم نحو أضواء القنوات الإعلامية والفلاشات الصحافية ، ولكن نقول أن الزمن كفيل بغربلة كل هذه الظواهر التي قد تكون طارئة على مجتمع لم يتعوّد على هكذا صراعات بين رموز التيار الواحد ..ويكفي.
* المقال مرسل من الكاتب للوكالة
































