رأيت فيما يرى النائم أني أقف عند إشارة مرور وإذا بسيدة متحشمة تقود السيارة المجاورة وتسألني بلطف عن شارع الحياة الكريمة ، فأجبتها بكل أدب وذوق ، عبرت عن شكرها باحترام بالغ ومضت في طريقها بكل هدوء.
تصادفنا في أحد المقاهي العامة فلم تتردد في أن تدعوني لشرب فنجان قهوة تعبيرا منها على شكرها وتقديرها ، وسألتها : كيف أصبحت المرأة تقود السيارة دون ممانعة اجتماعية كانت متوقعة كردة فعل على هكذا قرار صادم ؟!
أجابت بأنها كانت مسألة وقت ، ومسألة تعوّد ، وحزمة كبيرة من القرارات الصارمة والعقوبات المشددة على كل من يثبت تورطه بالتحرش أو المعاكسة أو المضايقة لأي سيدة تقود سيارتها وفق الظوابط القانونية التي شرعنت هذا القرار الإجتماعي والإنساني والإقتصادي .
قاطعتها : أي ضوابط ستحد من جنون مجتمع ذكوري ينظر إلى المرأة كجسد ؟!
ردت بهدوء : قلت لك هي مسألة وقت وتعوّد ، وتذكّر ممانعة المجتمع للأطباق الفضائية والجوالات المزودة بكاميرات وأمثلة كثيرة وكيف أصبحت بعد ذلك من أساسيات الحياة اليومية في كل منزل، أما بالنسبة للظوابط فهي تتمثل في اشتراطات وضعتها الجهات المسئولة ، ومنها ألا يقل عمر المرأة التي ترغب في القيادة عن 35 سنة ، وأن تكون قيادتها داخل نطاق المدينة من السادسة صباحا إلى الثامنة مساء ، بالإضافة إلى كونها موظفة أو عاملة أوحتى عاطلة شريطة الا تجد من يوصلها ويقضي حوائجها ومتطلباتها اليومية كالمطلقات والأرامل ، وهذا يوفر علينا الملايين التي تصرف سنويا على السائقين الأجانب ، ويبعدنا عن شبهة الخلوة الغير شرعية ويحمينا من تحرش بعض أصحاب سيارات الأجرة !
سألتها بخبث : ولكن عندما تعطل المركبة فستجدين كل الناس قد تحولوا إلى نبلاء و( نشامى) بحسن أو بسوء نية، وهذا مأخذ يثير مايسمى بالفتنة عند المتشددين والمعارضين لهذه القضية !
قالت : ومن قال أن النظام اغفل هذه النقطة ؟! فهناك تأمين يدفع لشركات صيانة متنقلة على مدار الساعة للوصول إلى اي حالة طارئة قد تتعرض لها قائدة المركبة وإصلاح اي خلال يقع على المركبة ، كما أن هناك أقسام نسائية ستفتتح في إدارات المرور ، وستعاقب كل من تتعدى حدود الأنظمة أو اللوائح المشرعة لهذا النظام .
كانت تثرثر باحلام لا تنتهي وآمال لا تتوقف ، وأنا أراقب الرصيف المقابل الذي يتكدس عليه العشرات من الآسويين الذين يضخون ملايين الريالات سنويا إلى بلادهم ،واقتصادنا وشبابنا وفتياتنا في أمس الحاجة لها .
انتهى فنجان القهوة وبقيت تلك السيدة تقرأ تفاصيل ذلك الفنجان ، وأنا أردد بنشوة عارمة : (من حاول فك ظفائرها .. ياولدي ..مفقود .. مفقوووووووود ).. ويكفي.
*خاص بوكالة أخبار المجتمع السعودي
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته