في مساء طائفي الملامح ، اقـتعدت بعض الأرض وكل الأعصاب وأنا بجوار أمي الخمسينية وهي تتابع برنامج إفتاء مباشر ، في قناةٍ تمقت الموسيقى وترفض ظهور المرأة على شاشتها حتى ولوكانت متحجبة على الطريقة الإسلامية السائدة ، أو حتى ولو كانت تظهر مصادفة في مظاهرة تدين الظلم الإجتماعي والقهرالإقتصادي ضمن نشرة الأخبار العالمية !
كانت الإتصالات تنهمرعلى هذا البرنامج بشكل منمّط محملة بأسئلة ساذجة ، فيها هدر للوقت وتسطيح لعقلية المشاهد ، بدليل أن أمي الخمسينية التي لاتقرأ ولا تكتب كانت تجيب نيابة عن فضيلة الشيخ ، وحتى أكون أكثر موضوعية سأورد لكم بعض الأسئلة التي حيرت المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، ولم يبق لنا سوى أن نخصص لها مفتين متخصصين في الإجابة عليها ، ومن ذلك : حكم لبس دبلة الخطوبة ، أو تسمية أحدى البنات (بيان ) ، أو مدى مشروعية (الجمعية التعاونية ) بين الموظفين ، أو حكم حلق اللحية مكرها ، أو ذبح العقيقة بعد مرور 15 عاما ، أو من عنده مال أمانة وحال عليه الحول ويريد أن يزكيه !
أسئلة تثير الملل وتشرع باب التساؤلات المفتوحة على الإتكالية والتواكل حتى في أخذ الفتوى التي لاتحتاج (لفقيه) أو (شيخ) أو (مطوّع)، لا أدري هل أضحينا من السذاجة بمكان أن نخصص كل هذه البرامج التي تعيد اجترار الكلام بهذا الشكل الكربوني .؟! والمشكلة أن الاسئلة المفصلية والحساسة والتي تحتاج إلى تفصيل وتوضيح تجد الإجابة عليها في مثل هذه البرامج غائمة أو غير واضحة الملامح !
كان البرنامج رتيبا كعادة هذه البرامج ، وأقول رتيبا لأنني وقتذاك تذكرت الشيخ (مبروك عطية ) وهو شيخ أزهري درّس في جامعاتنا ردحا من الزمن عندما كان يتحدث في برنامج إفتاء جميل وشيق تقدمه مذيعة جميلة يرد فيه على استفسارات المشاهدين بداعابة وضحكات تملأ الفضاء أنسا ً وفرحا مبرهنا على أن الدين ليس قوالب جاهزة و أجساد محنطة وفتاوى معلبة ووجوه مكفهرة ، بل هو أكثر سماحة ورحابة ويسرا من كل ماسمعنا ووعينا طوال العقود الماضية عبر شخصيات محددة ومقيدة ومتشددة !
أدرك أن باب الفتوى من أعظم أبواب الشريعة السمحاء ، ولكن أمتهانه بهذه الطريقة الإستهلاكية أفقده وقاره وبهاءه ، وفتح بذلك باب المتاجرة والنجومية (للدعاة الجدد) أكثر من احتسابه لوجه الله .
أخيراً وفي تصوري البسيط أرى أننا كشعوب لا تحتاج مفتي لكل مواطن، بل تحتاج مسكنا لكل مواطن ، ووظيفة لكل عاطل ، ومعونة لكل عاجز، ودواء ناجعا لكل مريض ، وقبرا يليق بأحلامنا البسيطة ..ويكفي !
* يٌنشر وكالة أخبار المجتمع السعودي تزامناً مع نشره في عكاظ بالاتفاق مع الكاتب.