اختطاف لعائلات. اغتيالات. اعتقالات تعسفية. ذبح للأطفال. دماء وأشلاء وجثث أبرياء. مذابح جماعية ومجازر يومية. نظام دموي يفتح شهيته للقتل والتدمير والتعذيب. عصابة إجرامية. نشر للموت على الطرقات. هدم للمنازل على رؤوس أهلها. حصار للمدن والبلدات السورية بالدبابات والطائرات. نظام يرتكب الجرائم وعمليات القتل ليل نهار ضد الأبرياء، وكل تلك الممارسات لم تحرّك ساكناً في قلوب الروس والصينيين. لقد تنكّروا للشعوب العربية وقدّموا شهادة الخذلان للبشرية والإنسانية.
في سورية، دولة بوليسية يديرها حزب لا يعرف الرحمة والإنسانية، يقابله اليوم رجال أقوياء قادرون على هزيمة مصاصي الدماء. في سورية رجال وطنيون نُجَباء يعرفون كيف يقطفون عناقيد الحرية ويكتبون هزيمة «الشبيحة» و»الفيتو».
قبل 30 عاماً، في (شباط) فبراير 1982، ارتكب نظام حافظ الأسد مذبحة حماة، التي تجاوزت في دمويتها المجازر الإسرائيلية، ويوم الجمعة الماضي تذكّر أهالي سورية مجزرة الأب (حافظ) ليشهدوا مذبحة جديدة نفّذها ابنه بشار ضد حمص وأهلها! كأنّ حماة وحمص ودرعا وغيرها مكتوب عليها أن تعيش الجرائم والمذابح مع حكم عائلة قاتلة تزهق الأنفس البريئة وترشقها بوابل من الرصاص.
شهدت حماة الجمعة الماضي أكبر تظاهرة على امتداد سورية ضد نظام بشار الأسد، الذي تفوّق على جرائم الأب، فقتل النساء وذبح الأطفال وعذّب المعتقلين، وحاول إجبار المدن والسكان على الطاعة بالقوة ونشر الموت في كل الأرجاء السورية.
تناسى بشار وزمرته أن حماة لم تمت في المذبحة الأولى عندما جعلها حافظ الأسد تسبح في بحر من الدماء، بل إن والده مات بذكراه الدموية فيما ظلت حماة صامدةً وأهلها أحراراً، وسيرحل الابن هارباً وربما يُعتقل أو يُقتل، وستبقى حماة وحمص وبقية البلدات السورية الثائرة رمزاً للنضال ورافعة لشعار الحرية والكرامة في تحدٍّ للنظام.
في ذكرى حماة اصطبغ نهر العاصي بلون الدم، وكتب النهر قصة الثورة والكفاح. لم يتوقف الدم في عروق أبناء حماة ورجالات سورية الأحرار على مدى 30 عاماً. إنها رحلة الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.
حركة مجلس الأمن بطيئة، ويعوقها «الفيتو»، فيما أعداد الضحايا تتزايد يومياً، والمواقف الروسية والصينية تتوشّح بالعار والشنار. موسكو وبكين تصرَّان على الرقص على الجثث، بلا اكتراث بمذابح نظام الأسد. سيذهب فلاديمير بوتين ومن على شاكلته إلى مزبلة التاريخ، تلاحقهم لعنات شعوب عربية غاضبة، وهتافات شعوب حرة تناصر حرية الإنسان، فمن لا ينتصر لحقن الدم ولا تحركه الفزعة لحياة الإنسان لا يستحق إلا اللعن والنبذ. ما يُنتظر من الشعبين الروسي والصيني التحرك والوقوف ضد «فيتو رخصة القتل»، والضغط على حكومتيهما للتوقف عن مساندة نظام الأسد، وعدم التعامل مع آلاف القتلى كأرقام وأوراق في لعبة المصالح والنفوذ. (أشك في ذلك)!
مارس بشار وشقيقه ماهر وعصابة نظامه البغيض انحطاطاً ووحشية وقذارة ضد الإنسانية بعد أن نحروا الأطفال الرضع، واستباحوا دماء النساء وذبحوا أبناء وطنهم كما تُذبح الخراف!
مؤشرات النصر قريبة مهما حاول بشار التشبث بالسلطة، ومهما حاول تصفية شعبه بالقتل وإقصاء معارضيه بـ «فيتو» موسكو وبكين، ومهما حاول أن يبقى، فلن يستطيع، طالما أن «الشعب قرر إسقاطه»، وينتظر لحظة القصاص منه.
تشهد القوات الحكومية انشقاقات يومية، إذ تجاوز عدد المنشقين ألفي فرد، يعملون مع «الجيش الحر»، وهنالك كتائب تعمل في ريف دمشق، بدأت اعتقال بعض الإيرانيين والتابعين لـ «شبيحة» النظام، وهو ما يوجب على رجالات الجيش التحرر ونزع بزة الخوف، واعتمار قبعة الحرية والكرامة، وشعار إسقاط نظام بشار. كما أن على الضباط والجنود المنشقين عن الجيش والأمن العمل سوياً لمنع النظام من ارتكاب مجازر جديدة بتشكيل مناطق آمنة تدار منها المواجهات مع قوات النظام.
يمكن للدول العربية طرد سفراء دمشق على غرار قرار تونس، والضغط على موسكو عبر قنوات اقتصادية وتجارية وديبلوماسية، والعمل سريعاً على مساعدة الشعب السوري إنسانياً وإغاثياً. كما أن على الدول العربية الاعتراف بالمجلس الوطني ممثلاً للشعب السوري، وحضّ المعارضة السورية على التماسك وتشكيل تحالف حقيقي بين كل الطوائف، لأن النظام سيحاول حتى اللحظة الأخيرة أخذ البلاد نحو التناحر الطائفي للدخول في حرب أهلية، وهو ما يجب أن يتنبه له الشعب ويتجنبه.
لنتذكر أن الشعوب العربية قبل «الربيع العربي» كانت تلعن الأنظمة الديكتاتورية والقتلة سراً، وبعد أن شمَّت روائح الحرية تحررت، ولعنتهم علناً، وأسقطت زعماء الاستبداد، وهذا دليل على الانتفاضة النفسية ضد الخشية والخوف، والإصرار على المشاركة الوطنية المستقبلية، وعدم الخضوع والرضوخ لبنادق وسجون الطغاة مهما كلَّف الأمر.
الأكيد أن بقاء بشار الأسد مستحيل، والقتلة مبشَّرون بالقتل. والحل الذي سيفتك بالنظام سريعاً هو قوة الداخل لا الخارج، وهو ما يحدث حالياً.
*صحيفة الحياة































