توتّر «متفاقم» بين مسلمين وأميركيين وجاليات أخرى في نيويورك بعد قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما بناء مسجد قرب موقع «غراوند زيرو». الطرف المسلم يشيد بالقرار بينما يرفضه الطرف الآخر ويستغربه ويوزع الإشاعات ضد أوباما. في المقابل، في لوس أنجليس، تظهر صورة أخرى، إذ تقرر إنشاء مجلس استشاري شهري في مسجد الملك فهد لتعزيز التفاهم بين الجانبين في حضور إدارة شرطة الولاية.
في بريطانيا، يبشر داعية إسلامي متشدد بتزايد نفوذ جماعات إسلامية أميركية متشددة على غرار ما حدث في بريطانيا خلال تسعينات القرن الماضي، في إشارة إلى فترة كان فيها مركز الإسلاميين في «لندنستان» وأوروبا. وفي أمستردام، تنقل الصحافة الهولندية أن رجل الدين الأسترالي فايز محمد دعا في خطبة علنية إلى قطع رأس السياسي والنائب الهولندي جيرت فيلدرز باعتباره معادياً للإسلام، وبوصفه «شيطاناً رجيماً». بينما في المقابل، يخوض برلماني وناشط إيطالي معركة شرسة لبناء مسجد في ميلانو، إذ يصلي المسلمون في المسارح والشوارع بعد هدم المسجد الوحيد في المدينة الإيطالية قبل عامين.
الصورة مهزوزة. هناك شدّ وجذب. هناك مفارقات وتناقضات. هناك تخوّفات غربية ربما تكون مقبولة في بعض الأحيان، وهناك خشية وتخرصات أميركية «مستغربة» و»غير مستغربة» أحياناً. هناك هجوم «متواتر» على العرب والمسلمين منذ أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، لا تنتهي فصوله ولا تتساقط غصونه.
يبدو أن العرب والمسلمين ينتظرون من أوباما تغيير خريطة السياسة الأميركية بين يوم وليلة، فيما هم لا يقومون من جانبهم إلا بشنّ الاتهامات ورفع الشعارات البالية والمكررة. يعتبرون خطاب أوباما في جامعة القاهرة وعداً تاريخياً عليه تنفيذه مهما كان حجم التحديات التي تواجهه من دون أن يساعدوه بعد أن مدّ اليد إليهم، وكأنهم لا يعرفون ضخامة «اللوبيات» التي تطوّق البيت الأبيض ومدى قوة تأثيرها في الانتخابات الأميركية.
يخطئ العرب والمسلمون إذا كانوا يعتقدون أن تسع سنوات كفيلة بنسيان «الأمة الأميركية»، الأدخنة المتصاعدة والغبار الكثيف والنيران المشتعلة من مركز التجارة العالمي والبنتاغون. يخطئ العرب والمسلمون أيضاً إذا اعتقدوا أن الأميركان نسوا حال الخوف والفزع التي هزّت كبرياءهم وضربت اقتصادهم ورموز بلادهم في عقر دارهم من حفنة «إرهابيين». أيضاً، يجب أن يدرك الأميركان حجم الحرقة والألم الكبير في قلوب المسلمين حين يشاهدون صور القتل والدمار والتخريب والتشويه في أفغانستان والعراق وفلسطين، حتى ان تخلصوا من نظام «طالبان» «المتخلف» ونظام صدام حسين «المستبدّ». ويجب ألا يعتقد الأميركيون أن العرب سيتناسون سياسة المعايير المزدوجة في تعامل بلادهم معهم ومحاباتها لإسرائيل، وحجم الدعم المقدم منها للاحتلال الإسرائيلي، والمماطلة في إيجاد حل للقضية الفلسطينية.
لا شك في أن جرأة المشاريع الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، جعلت هناك توتراً كبيراً بين العالم الإسلامي والعالم الغربي وولدت لدى الجاليات المسلمة في أميركا وأوروبا خوفاً من المجهول، ما جعل ممثلي أئمة وقادة نحو 55 من المساجد والمنظمات الإسلامية في نيويورك يذكّرون الأميركان بأن 300 مسلم قتلوا في الاعتداءات على واشنطن ونيويورك، وأن رجال شرطة وإطفاء مسلمين ساعدوا في رفع الأنقاض والتعامل مع الأحداث الإرهابية. فكثرة الشكوك الأميركية التي تحوم حول الجالية المسلمة دفعت المدير التنفيذي لمجلس القيادة الإسلامية في نيويورك ظهير الدين إلى القول: «لسنا غرباء عن هذا البلد، وليس هذا البلد غريباً عنّا. ويملك المسلمون تاريخاً طويلاً وإرثاً فيه».
لقد جاءت إدارة الرئيس أوباما بتباشير علنية وقناعة واضحة بأهمية تعزيز العلاقة الطيبة مع المسلمين، ويبدو ذلك جلياً من خلال التعاطف مع الجاليات العربية والإسلامية في أميركا في شكل واضح، وخطابه الشهير في جامعة القاهرة، ومحاولاته الجادة لإيجاد حلّ مقبول من الفلسطينيين والإسرائيليين. يبدو أن قضية المواطن الأميركي ليست الخشية من إقامة مسجد بالقرب من «غراوند زيرو» بقدر ما هي الخوف من تغلغل واستغلال الأصوليين الإسلاميين للقيم التي تكفلها القوانين الأميركية مثل الحرية الدينية والنزاهة والعدالة والتعددية.
أمور كثيرة منذ أحداث 11 سبتمبر وما قبله فاقمت الأوضاع، وولدت كراهية وحقداً بين الجانبين حتى عبرت الحدود الجغرافية وشوهت التاريخ الإنساني، ولا شكّ في أن تداعيات الحملات الغربية والاتهامات المستمرة التي تطاول كل ما هو عربي ومسلم، زادت حال الاحتقان و»سوء الظن» حتى أصبحت الجروح مفتوحة تنزف وتدمي.
لذلك أعتقد أن على الجاليات العربية والإسلامية في الغرب مشاهدة الصورة الحقيقية لبلدانها الأصلية «مكبرة»، لترى حجم الكارثة في ديارها، حتى تستوعب أن المهاترات والعنتريات ورفع الشعارات «الكاذبة» لم توفر لها بيئة عمل جيدة ولم تجلب لها الأمن ولم تحمها من مداهمات أجهزة الاستخبارات، ما اضطرها إلى اللجوء السياسي إلى أميركا وأوروبا والفرار من جحيم حكومات لا ترحم بحثاً عن لقمة عيش وأمن مفقود.
يبقى أن تعرف تلك الجاليات أن العيش الآمن والتعايش السلمي مع الآخرين والتأثير السياسي «الناعم» لقضاياها، هي شرط البقاء بكرامة في دول وفرت لهذه الجاليات حقوقاً مفقودة لم توفرها بلدانها المضطربة وشعوبها المنقسمة بين الصياح والنياح.
*صحيفة الحياة
































