بداية أؤكد أن الحديث عن الدعاة والمحتسبين لعمل الخير لا يعني التعميم، فهناك منهم من يتسم بالإخلاص والصدق والأمانة التي تستحق الإشادة والتقدير، وإنما الحديث هنا يختص بتلك الفئة التي استغلت إحدى أنبل القيم الإنسانية لمصلحة ذاتية ضيقة. نعلم جميعاً أن وظيفة «داعية» انتشرت بشكل كبير حتى أصبح كل من يتخرج في كلية شرعية، ولو بتقدير مقبول، مؤهلاً لأن يكون داعية، وأصبح المفحط السابق وحتى السجين السابق يتسابقان على هذه المهنة، في ظل قبول اجتماعي يندر أن تجد له مثيلاً في كل بقاع الأرض! وبالتأكيد فإن الجمعيات الخيرية هي إحدى أهم مراكز الاستقطاب لمثل هؤلاء، وقد سمعنا ورأينا ما يندى له جبين الأخلاق والقيم من جراء ذلك، إذ ما زلنا نتذكر أحد مسؤولي الجمعيات الخيرية التي تم إغلاقها وهو يعلن بنفسه أن لديه مبلغاً يفوق 100 مليون ريال بحسابه الخاص، وكان يناشد الجهات المسؤولة أن تستلم هذا المبلغ وتبرئ ذمته، وكانت تلك الجهات تتنصل وكل واحدة ترمي بالمسؤولية على الأخرى، وهذا بالتأكيد يعطينا انطباعاً عما يدور في هذا العالم الذي يُسمى «عمل خيري» من تسيب مالي، وانعدام للمراقبة كفيل بإغراء أي احد للدخول في متاهات الفساد والاختلاس.
يحدثني أحدهم أنه حضر محاضرة لأحد الدعاة وهاله أن الداعية جاء بسيارة فخمة يزيد سعرها على نصف مليون ريال برفقة سائق ومرافقين، ثم رآه في مناسبة أخرى بسيارة أخرى لا يقل سعرها عن الأولى، هذا عدا المنازل والاستراحات التي يملكها في مدن عدة مع أنه يعمل معلماً براتب محدود. أيضا نعرف عن الدعاة الذين يجمعون الأموال بغرض الدعوة بالخارج ومنهم المعلم والمهندس والطبيب، ثم يذهبون إلى دول معينة في أوروبا وشرق آسيا وإثيوبيا - ولا أدري لماذا يتم تجاهل دول إفريقيا – وينتهي بهم الأمر بالتمتع بزواجات المسفار، ولعل لدى سفاراتنا بتلك الدول الخبر اليقين عن حجم المأساة التي تنتج عن هذه الجهود الدعوية! لأجل كل هذا لم أتفاجأ عندما قرأت أن مجموعة من المحتسبين قرروا الدفاع عن نبينا عليه الصلاة والسلام بعد الرسومات المسيئة، وكنت أتابع الموضوع بدقة، فعلمت أنه تم الاتصال برجال الأعمال في معظم المناطق، وتم جمع مبالغ طائلة تقدر بعشرات الملايين، وكانت النتيجة أنهم ذهبوا إلى معظم دول العالم وأقاموا في أفخم فنادقها لأجل التعريف برسولنا عليه الصلاة والسلام، وكانت الخطوة التالية هي طباعة ملايين الكتب التعريفية بلغات عدة وتوزيعها على الحجاج، وهذا جميل، إذ تم تعريف هؤلاء الحجاج - الذين أتوا من كل فج عميق ودفعوا أموالاً طائلة من اجل ذلك – برسولهم الكريم! الغريب أن معظم هذه الكتب التعريفية تم تأليفها من الأشخاص أنفسهم الذين يتولون هذا المشروع وهم قلة محدودة، فهل لنا أن نعرف حجم العائد المادي الذي حصلوا عليه جراء دفاعهم وتعريفهم برسولنا عليه أفضل الصلاة والتسليم؟
ولا ينتهي الحديث من دون التعريج على إمام المسجد الذي اتضح انه يُدخل أموال الجمعية الخيرية التي يتطوع بالعمل فيها إلى حسابه الخاص، والإمام الآخر الذي كان يستخدم كهرباء المسجد لإنارة محله التجاري، ويسكن عمالته الخاصة في منزل المسجد، وكل هذا يهون عند من يؤجرون منازل المساجد التي يؤمونها، الغريب أنه وأثناء كتابتي هذا المقال وردني ما يأتي على الجوال: «بشرى جوال ش «.....» بأسلوبه المميز وطرحه الشيق ونصائحه القيمة مقاطع صوتية وفيديو حصرية، للاشتراك أرسل «.....» وساهم معنا في نشر علم الشيخ، علماً بأن جزءاً من ريع الجوال مخصص للدعوة بمعرفة فضيلته».
حسناً يا شيخنا الفاضل، فقبل أن اشترك أود أن أعرف أين ستذهب الأجزاء الأخرى من الريع؟ هل من مجيب؟
*صحيفة الحياة
































