ذات يوم دلف رجل مسبل وحليق إلى أحد المساجد لأداء صلاة العشاء، وكان اللافت للأمر أن دخوله المسجد كان باكراً جداً بعد الأذان مباشرة، ولم يكن بالمسجد حينها إلا عدد محدود من كبار السن الذين استنكروا الأمر! إذ إن حرص رجل بهذه المواصفات على أداء الصلاة في روضة المسجد أمر غير اعتيادي. بعد أداء الصلاة غادر الرجل الغريب المسجد، وإذا بأحد كبار السن يلتفت إلى جاره ويقول بصوت عالٍ: «من أتى بهذا الـ... لمسجدنا»؟! وما تم حذفه لا يليق ذكره بهذا المنبر. إن استنكار وجود مسلم موحد بالمسجد من ذلك المواطن يلخص لنا أزمة مجتمعنا بثقافته «البصرية» التي تكون «الكلمة الفصل» فيها «للمظاهر الشكلية»، إذ هي التي تحدد هوية الإنسان ومدى تدينه ورقيه في السلم الاجتماعي والوظيفي.
تذكرت هذه القصة الواقعية عندما قرأت قصة واقعية أخرى كان بطلها إمام مسجد في إحدى محافظات القصيم، استغل ثقة الناس بمظهره الخارجي فما كان منه إلا ان جمع مئات الملايين منهم بحجة استثمارها ثم أطلق ساقيه للريح، ولو انتهى الأمر إلى هنا لكانت المصيبة أهون، ولكنه ظهر أخيراً بلحية شبه حليقة وبوجه تكسوه بعض المساحيق - التي لا يجيد تركيبها إلا محترفو الفيديو كليب - وبملابس «غربية»، كان أبرزها ارتداءه «قبعة كفار» من أحدث الموديلات التي يلبسها جيل الشباب. وقبل فترة زار زميل لي أحد السجون بحكم طبيعة عمله وقابل سجيناً محكوماً بقضية أخلاقية، ولفت نظره أن السجين كان ملتحياً، وعندما سأله زميلي عما ينوي فعله بعد انتهاء محكوميته، أجاب بأن بعض المحتسبين أحسنوا الظن به ودبروا له وظيفة بإحدى الجهات الشرعية المسؤولة عن الضبط الاجتماعي، إضافة إلى إمامة أحد المساجد، ولا يراودني شك بأنه قد يكون حالياً أحد أبرز من تثنى لديهم الركب لطلب العلم، وقد يكون مسؤولاً عن بعض الجمعيات الخيرية وراقياً محترفاً!
وبمناسبة الحديث عن الرقية فقد نشر احد المواقع الموثوقة قصة راقٍ كاد يقع في أيدي هيئة الأمر بالمعروف لولا أن رسالة جوال - تخفي وراءها سراً - وردته في آخر لحظة أنقذته من الوقوع في شر أعماله، إذ إن شابة زارته فأخبرها بأن بها مساً من الجن وأنهم - أي الجن - يرهبون المشايخ، ولذا فإنه من الأفضل أن يقترب منها ويعانقها – وما هو أبعد من ذلك مما لن يسمح بنشره - لأن هذا كفيل بأن يجعل الجني يهرب لا يلوي على شيء بحثاً عن امرأة أخرى لا تؤمن بقدرة المشايخ على طرد الجن بطرق مبتكرة. وهنا سؤال يستحق التوقف: «من الذي أرسل رسالة جوال للراقي يخبره بأن الهيئة بصدد القبض عليه»؟ وسأترك الجواب لفطنتكم.
تستعصي سذاجة بعض الناس على فهمي، وهي المسؤولة - في تقديري - عن ظهور طبقة من «رجال الدين» وصل الحد بها درجة ان يتنافس اثنان من مشايخ الفضائيات على عدد الاتصالات التي تصلهم من الجنس الناعم، وبالتأكيد فهم لا يفضلون التعامل مع الجنس الخشن، كما أن أحد المشايخ، الذي اشتهر «بغزواته» الدعوية إلى بلاد الشام والإفرنج – لا أفريقيا - صرح لإحدى الوسائل الإعلامية بأنه أبلغ منظمي محاضراته بأنه لن يحضر إلا إذا كان هناك مكان مخصص للنساء، وقد ألغى إحدى محاضراته لانتفاء هذا الشرط، وهنا أستغرب أنه لم يستنكر أحد من رجال الدين الحقيقيين مثل هذا الشرط الغريب في مجتمع محافظ، كما استغرب أن يسمح رجال - من طوال الشوارب - لمحارمهم بمتابعة نشاطات هذا الشيخ، ولكن يزول استغرابي عندما أتذكر أننا مجتمع «الثقافة البصرية».
وختاماً، نصيحة إلى الباحثين عن عمل: «أتقن مظاهر التدين الشكلي جيداً، ثم ابدأ بتأليف مطوية ولن تندم»!
*صحيفة الحياة