تناقلت الكثير من المواقع الالكترونية خبراً مفاده أن مجموعة من المواطنين تقدمت بعريضة إلى مفتي عام المملكة تعترض فيها على بعض الفعاليات التي ستُعرض في مدينة الرياض خلال أيام عيد الفطر المبارك، وسأتجاوز هنا سذاجة المطالب، كما قرأتها، التي لاقت استهجاناً من الاكثرية الصامتة، بحسب ردود الافعال التي تم رصدها... السؤال الجوهري هو «هل يعتقد هؤلاء أنهم يمثلون الإسلام كما فهمناه من مصادره الأصلية؟»، أولم يخرج أهل المدينة مستقبلين رسول الإسلام «عليه الصلاة والسلام» وهم يضربون الدفوف ويغنون «طلع البدر علينا»؟ أولم يكن الفرح شائعاً في كل عصور الإسلام الأولى؟ أي إسلام يمثله هؤلاء القوم؟ ومن هي مرجعيتهم الشرعية؟ وإلى أين يريدون أن يصلوا؟
هناك نقطتان جديرتان بالتوقف، أولاهما أن هؤلاء يعترضون على فعاليات تم إقرارها من جهة رسمية يرأسها رجل فاضل بشهادة الجميع وهو أمين مدينة الرياض الدكتور عبدالعزيز بن عياف، بإشراف من أميرها سلمان بن عبدالعزيز، فهل يعقل ألا يثق هؤلاء المعترضون في برنامج احتفالي يقره ويرعاه هذا الرمز الوطني؟ إلا إذا كان الهدف هو المشاغبة وإفساد فرحة العيد على الناس، وهو ما أرجحه في ظل متابعتي الدقيقة لسلوك اصحاب الفكر المتشدد، الذين شاع بين الناس أنهم أعداء لكل مظاهر السرور في المجتمع. إن المرء ليصاب بالحيرة عندما يسمع عن مثل هذه العرائض التي مل الناس منها ومن اصحابها وفقدت مصداقيتها، لدرجة انها اصبحت مجالاً للتندر. تذكرني هذه العرائض الموسمية بما رواه لي جدي، رحمه الله، عن قصة نفر من المتشددين الذين دهموا رجلاً في مزرعته قبل سبعة عقود وسألوه: من ربك، ومن نبيك، وما دينك؟ فقال الرجل: ربي الله، ونبيي محمد، وديني الاسلام، فضربوه ثم لما صعق الرجل ليقينه بصحة إجابته، قالوا له إن إجاباتك صحيحة ولكننا ضربناك لترسخ تلك الإجابات في ذهنك! يضيف جدي إن هذه الجماعة نفسها جاءت الى الرجل بعد فترة وعرف حينها انهم سيكررون السلوك نفسه فما كان منه إلا أن أعطاهم - قبل ان ينبسوا ببنت شفة - ثلاثة ريالات، وهو مبلغ كبير حينها، وعندما استنكر ابنه هذا الكرم الحاتمي غير المبرر قال الوالد «أعطيتهم ريالاً لغدائهم وريالاً لعشائهم وريالاً لاتقاء ضربهم»، وهو ما تم إذ إنهم انصرفوا شاكرين دون ان يسألوا الرجل او يؤذوه، فإذا كان الرجل يعرف دينه فلماذا سأله أولئك المشاغبون القدماء تلك الاسئلة البدهية، ومثله نقول إذا كانت احتفالات الرياض اقرت من جهة رسمية برعاية من ولي الامر في دولة نعلم كلنا انها تحكم الشريعة الاسلامية، فلماذا يعترض عليها هؤلاء المشاغبون الجدد؟
النقطة الثانية التي تستحق التوقف هي تقديم هذه العريضة للمفتي ونحن نحترمه ونقدر علمه وسماحته، ولكن نعلم انه ليس هو ولي الأمر، أولم يكن الاولى ألا تقدم أي عرائض - وإن كان ولا بد من الاعتراض - فلماذا لم تؤتَ البيوت من أبوابها، خصوصاً ان أبواب ولاة الامر الحقيقيين مفتوحة على الدوام.
أي شريعة ينشدها هؤلاء الذين استمرأوا مثل هذه التصرفات، وهل يريدون للناس ان يحتفلوا بالعيد خارج الوطن، وإذا كانوا لا يرغبون بالفرح فلماذا لا يبقون في بيوتهم ولن يجبرهم احد عليه، أولم يقل الملك فيصل، رحمه الله، لمن جاءه مطالباً بإغلاق مدارس البنات «المدارس ستفتح ولن نجبر أحدا ًعلى تدريس بناته»، وبعدها بسنوات عدة تسابق القوم المعترضون أنفسهم على إلحاق بناتهم بالمدارس الحكومية.
ختاماً، فإنني على يقين بأن هؤلاء المعترضين أقلية لا تكاد تذكر، ولكن أصواتهم عالية ومدوية، ونقول لهم إن الناس تريد ان تفرح بعيدها، وإذا لم ترغبوا بفرح لا يتعارض مع الإسلام كما نعرفه فلن يمنعكم أحد من الجلوس في منازلكم.