انتشرت في عالم المال والاقتصاد لجان تُسمى باللجان الشرعية، والهدف منها التأكيد على أن المعاملات المالية تسير وفق الشريعة الإسلامية، وهذا لا بأس به في ظل رغبة الطرفين في ذلك، ولكن المشكلة أن أعضاء هذه اللجان - وبمباركة من أرباب المال - أصبحوا من الأثرياء الذين يشار إليهم بالبنان، إذ نحن نتحدث هنا عن دخل سنوي يتجاوز الـ 10 ملايين ريال للعضو الواحد من المحترفين الكبار، وهذا أكثر بكثير من دخل اكبر رئيس تنفيذي في أي بنك أو أي شركة أخرى في المملكة! وهو ما جعل هذا المجال مغرياً للكثير من علماء الشريعة المتخصصين في التعاملات المالية «الأثرياء الجدد»، ومما يروى في هذا الصدد أن بعضاً منهم كان يرفع صوته عالياً للتشكيك في تعاملات هذه الشركة أو تلك، أو يصدر فتوى بتحريم التعامل كلياً مع شركات معينة، فما كان من تلك الشركات المعنية إلا استقطاب هذه الشريحة كأعضاء في لجانها الشرعية وهو ما أصبح مربحاً لكلا الطرفين! ويرجع الفضل في الحصول على هذه المداخيل العالية إلى الاستراتيجيات التي رسمها أعضاء اللجان الشرعية في سبيل استدرار اكبر قدر ممكن من أموال الشركات، فعلى سبيل المثال تدفع البنوك لعضو اللجنة الشرعية أكثر من 100 ألف ريال سنوياً، وهنا تأتي استراتيجية «زيادة الدخل» وهي «الجلسات»، فالبنوك التي تستخدم المصرفية الإسلامية كخدمة فرعية فقط يعقد أعضاء لجانها الشرعية 6 جلسات في السنة بمكافأة تصل إلى 10 آلاف ريال للجلسة الواحدة، أما إستراتيجية «الشفط الحلال» فأبطالها هي البنوك الإسلامية التي يعقد أعضاء لجانها الشرعية ما معدله 36 جلسة بمكافأة تصل إلى 15 ألف ريال للجلسة الواحدة! ويحصل مثل هذا أو أكثر في معظم الشركات، خصوصا ًشركات التأمين.
ويذكر أحد القريبين من هذا الملف ان لدى أعضاء اللجان الشرعية مقدرة عجيبة على إطالة أمد الجلسات لأعلى حد ممكن، إذ يذكر في هذا الصدد انه تم عقد جلسات عدة كلفت أحد البنوك مبالغ طائلة وذلك لمناقشة الأخطاء الإملائية في أحد التقارير التي تم رفعها إليهم لدرسها. المشكلة هنا أنه لا يوجد قانون واضح وصريح لتنظيم عمل اللجان الشرعية، إذ ان هناك عدداً من الأعضاء المشهورين بأسمائهم ويعرفهم المختصون يعملون بأكثر من 40 مؤسسة بنكية ومصرفية وشركات تأمين بل وبعض المؤسسات والشركات الخاصة، وتدفع كل مؤسسة رسم العضوية إضافة إلى الجلسات التي تحتاجها بالبدلات المذكورة أعلاه، بعد أن يتم إطالة أمدها إلى الحد الأقصى.
الملاحظ هنا انه يمكن لعضو اللجنة الشرعية ان يعمل في أي بنك أو شركة تطلب خدمته، إذ لا يوجد ضوابط لعدد المؤسسات التي يمكن له العمل بها في وقت واحد، وهذا شيء مستغرب في عالم الاقتصاد والمال، إذ هناك – على سبيل المثال - نظام للشركات يمنع عضو مجلس الإدارة بموجبه من ان يكون عضواً في أكثر من ثلاث شركات كحد أقصى.
هنا يبرز كالعادة الدور المفقود لمؤسسة النقد العربي السعودي عندما يتعلق الأمر بأبنائها المدللين «البنوك»، إذ من المفترض أن تتدخل لضبط هذه المسائل بما يحمي حقوق المساهمين الذين هم بلا شك المتضررون من أي إسراف في هذه النفقات، كما أن عليها أن تتدخل لوقف الازدواجية في العمل، إذ بإمكان اللجان الشرعية تصميم عمليات المرابحة للكثير من الأدوات الإسلامية المستخدمة بواسطة عملاء البنوك بما لا يتطلب انعقاد اللجان بهذه الوتيرة والاعتماد بدلاً من ذلك على البنك وموظفيه في تطبيق هذه العمليات كما يطبقون غيرها من العمليات البنكية، ثم ان لا أحد يعلم لماذا لا تجبر مؤسسة النقد البنوك على نشر التكاليف الباهظة جداً التي يتقاضاها أعضاء لجانها الشرعية في البيانات الختامية التي تنشرها كل ثلاثة أشهر في الصحف، لأن من حق المساهمين أن يعلموا ذلك، أم أن المساهم هو آخر من تهتم به مؤسسة النقد كما تتهم دوماً. وختاماً، نصيحة إلى كل متخصص في الشأن المالي: «أصدر فتوى تحرم بعض التعاملات في البنوك... ولن تندم»!
*صحيفة الحياة