انفصل ملك مصر السابق «فاروق الأول» عن زوجته الملكة «فريدة» لأسباب من أهمها عدم إنجابها لولي العهد، فانبرى رجال الحاشية يبحثون له عن زوجة أخرى، وكان من بين المكلفين بالمهمة «جواهرجي» الأسرة المالكة أحمد نجيب، الذي دخلت محله ذات مساء فتاة حسناء في الـ16 من عمرها، لتشتري مع خطيبها الشاب والموظف في إحدى المصالح الحكومية «شبكتها» الذهبية، فيتعمد عرقلة الشراء طالباً من الخطيبة معاودة الزيارة ليريها خاتماً مميزاً سيأتيها به، ثم يسرع ويتصل بالملك ليسأله الحضور في الموعد المحدد، فتظهر الصبية ويراها الملك من وراء ستار ويقرر خطبتها، فلا تتردد وأسرتها في التضحية بخطبة الموظف البسيط الذي فوجئ بالتنكر له بلا سبب مقنع، لتتزوج «ناريمان» من فاروق وتنجب له ولياً للعهد، ولا تمضي ستة أشهر على ولادة الطفل حتى تتفجر ثورة 23 تموز (يوليو)، ويفقد الملك عرشه ويغادر البلاد مصطحباً زوجته ووليده، فتتضاعف معاناة الملكة في الغربة ويطلقها الملك فتقفل راجعة وتتزوج من طبيب شاب ما تلبث أن تطلق منه حتى تتزوج بثالث غيره، أما الموظف الصغير الذي امتحنته دنياه منذ البداية، فقد تجاوز آلامه واقترن بفتاة فاضلة سعد بها ومضى قطارهما في رحلة استقال فيها من وظيفته وحصل على شهادة الدكتوراه في القانون الدولي، عمل بموجبها كمحامي للشركات العالمية، وصعد نجمه إلى أن شغل منصب الوزير، فاستطاع أن يهيأ لنفسه وعائلته حياة رفيعة المستوى والاستقرار.
كلمة أخيرة: لا نتقبل أقدارنا بشجاعة، وإنما نتطلع لما نعتقد أننا جديرون به (مع أنه اعتقادنا نحن)، فلا نكف عن الحلم بأن تجتمع لنا كل أسباب السعادة، وكأننا بشر فوق العادة ينبغي أن يكتمل لهم النصاب! وكأننا نعلم الغيب ونضمن أننا إذا تخلينا عما في أيدينا في سبيل ما في أيدي غيرنا سنجني ما نبحث عنه! وهذا حالنا ما دام الشيطان يغري الإنسان بالمفقود، لينسيه الشكر على الموجود! فكم هو مربك ما يحدث لنا بسبب طمعنا! فلا ندري حينها هل نقر باختيارنا الذي انتهى بعذابنا، أم نصر على عبقرية تفكيرنا وغباء الظروف التي حولت قراراتنا إلى صفحة ندم في كتاب أيامنا! ولكي يحصر المرء قيمة الموجودات في حياته عليه التخيّل أن حرباً وقعت وليس أمامه سوى حقيبة صغيرة يجمع فيها أهم ما لديه في أقصر وقت، ساعتها سيجد نفسه يتخلص من أشياء ما كان يظن يوماً أنه سيتخلى عنها... حينها فقط سيكتشف أن معظم الأشياء التي أحاط نفسه بها واعتقد جازماً أنها سبب سعادته لم تعد ضرورية، بل أصبحت عبئاً قد يقضي عليه، وهكذا يكون تقدير المرء لأرباحه في الحياة! في إتقان فن الاختزال... في «الفرز» بصدق وأمانة من دون تشويش أو تشويه، فلا تفرط في تضخيم خسائرك، وسرد أدواتك للسعادة، التي قد تمر بمحاذاتك وأنت لم تعرها انتباهك لأنك مشغول بتعقيد الحياة، فلو راجعت سجل أيامك، لتذكرت أن أعيادك الحقيقية قد عشتها في غفلة من التخطيط، وعلى غير «ميعاد».
وقالوا: «يكون الإنسان سعيداً إذا تعلم أن ينسى السعادة» دون ماركيز.
صحيفة الحياة