يقول الدكتور عبدالرزّاق السنهوري، أفقه علماء الفقه والقانون في تاريخ مصر الحديث، والحاصل على ست درجات دكتوراه من فرنسا، أول من أدّب القانون وقنّن الأدب حتى أطلق عليه أساتذة الشريعة الإسلامية لقب الإمام الخامس بعد الأئمة الأربعة: «حدّثت نفسي لو شغلت منصباً قضائياً في مصر، وعُرِض عليّ أن أحكم في مسألتين حتماً لحكمت فيهما لصالح المرأة، فرجل طلّق امرأة بغير حق أحكم للمرأة بتعويض لأن الرجل أساء استعمال حقه في الطلاق، ورجل تزوّج امرأة ثانية على امرأته الأولى بغير حق، أحكم للمرأة بالتعويض لأن الرجل أساء استعمال حقه في الزواج»، ذلك أن المرأة والرجل إنما يشتركان في حق الحرية حتى في وجود المبرر الشرعي، وتعني الحرية هنا التحرر من استرقاق البعض للبعض الآخر لأن المالك الحق هو الله، فليس للرجل أن يسيء استعمال سلطته أو يمنع عن المرأة حقاً، إن باسم الزواج أو غير الزواج كما في حقها الأصلي بقيادة مركبتها مثلاً، ولو لم يرد سوى قول النبي عليه الصلاة والسلام «إن النساء شقائق الرجال» لكفانا وقتاً وحبراً وصوتاً استهلكت وأهدرت لتوضيح مسألة مقضيٌّ فيها، ففي الحديث حجة شرعية تثبت أن حضور النساء يمتد كحضور الرجال على مقامات الإنسانية من جهة الانتماء إلى هذه الإنسانية بأنشطتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وقد كان للعادات رأي بمنع النساء من الخروج إلى المساجد وغيرها في غياب وجود نص شرعي صريح، فلم يستجب له، وكل ضغط يمارس على المرأة لثنيها عما لم يمنعها الدين عنه لا يؤخذ به، ولا نفهم إلا أن محاصرة النساء من الأزواج أو الآباء إنما تعود إلى غيرة الذكور، وتحكّم يعبّر عن أحوالهم المزاجية، ليس له سند ديني أو منطقي، فلا يقاس عليه ولا يجب، أما فراغ الشريعة من أحكام بعينها فنجد تفسيره في «لا نهائية» معاني الوحي، وهو ما جعل القرآن يسكت عن أحكام وتغيب فيه نصوص لا تقل أهمية عن المصرّح به، فحضور كلمة في النص المقدس بمعنى، يخفي في الوقت نفسه غياب كلمة أخرى تحمل معنى أو معاني كان بالإمكان إيرادها ولم يرد الإله إيرادها، فتحاً للإنسانية للتصرف في أمور الأصل فيها الإباحة، وكـــل مــن يــأتي ويـمارس التحجير فيــها فـليس لنا أو علـــينا في حجره من شيء.
تمكنت بعض القراءات الفقهية والتفسيرات البسيطة من السيطرة على ذهنية عامة الناس ضمن شروط مجتمعية اقتصادية فكرية معيّنة تبنت إقصاء المرأة من المواقع المؤثرة، ثم استمر هذا الإقصاء الجائر لها إلى أن تحوّل مع مرور الزمن إلى إجراء طبيعي ينفر أهل المجتمع من مراجعته، وإلى اليوم لم أحط بالمبرر الرئيسي الذي لا يزال يسوّغ منع المرأة من قيادة مركبتها في صرح بحجم السعودية، وفي تفرّد عالمي لا يناسب صورة التحضر الإنساني (دع عنك حكاية صيانتها والخوف عليها والمملة حتى الضجر)!
ولا أدري إلى اليوم كيف لم يصحّح هذا الوضع الغريب بتبدّل الظروف والمعطيات والمعارف، ولا نزال نناقش الأمر من منطلق منح المرأة حقاً هو من حقها أصلاً!! إلّا أن نكون مسكونين بعقلية متصلّبة متفضّلة لا تبشّر بتقدّم لا في موضوع قيادة المرأة لسيارتها ولا في غيره.
حتى تكون قوياً ليس أمامك إلّا أن تريد، وقد لا تريد كل النساء الحصول على مفاتيح سياراتهن وقيادتها بأنفسهن، ولكن حتماً هناك من تريد ومن تحتاج، وباسم كل من تريد نسأل ملكنا وولي أمرنا وآمرنا أن يصدر أمره بالحكم لصالحنا تصحيحاً وتعويضاً وتشريفاً.
*صحيفة الحياة