في أحد مطارات دبي وأمام كاونتر قطع بطاقات الصعود للطائرة شاهدت رجلاً في الـ 50 ينتظر دوره، وإذا برجل آخر في العمر نفسه تقريباً يندفع نحو الكاونتر من دون أن يكلف نفسه النظر حوله، وما إن اقترب من الكاونتر، حتى قفز الموظف ليوقف اندفاع هذا الرجل ويطلب منه التزام الطابور، لكن الرجل الآخر أشار بيده وبهدوء أن لا بأس، لم يكلف الرجل الآخر المعتدي نفسه بالالتفات ليشكر الرجل الذي تنازل له عن دوره ولم يكلف نفسه ولو كذباً أن يعتذر ويقول «آسف». استمر كأن الأمر بالنسبة اليه غنيمة وربما كان يهنئ نفسه على الفوز بها.
طالما شاهدت شباباً متعلماً ويلبس ثياباً على أحدث موضة، ونساء يلبسن الجواهر الغالية، لكن لا أحد من هؤلاء يفهم أن تجاوزه إنساناً مثله يقف قبله وينتظر دوره هو عمل خارق لأخلاق العدل وآداب المجتمع. والتنظيم مهم للعيش يمنع العنف والاقتتال. هنا في أميركا حيث أقضي إجازتي أكثر ما يغيظ بعض السعوديين لكنه يجبرهم على احترامه وطاعته والإعجاب به عند محبي العدل والنظام هو الطابور. ففي كل مكان حيث تذهب طابور، حتى عند دورات المياه هناك طابور، لكن عليك ألا تقلق أبداً، فمهما كان العدد كبيراً فأنت لا تتأخر ولا يأخذ مكانك أحد. وهكذا يحمي الطابور حقك ويوصلك مبكراً وحين يأتي دورك لا تكون مغتاظاً، ولست مضطراً لأن تفكر بأن الناس وحوش أو بلا تهذيب أو جهلة، لست مضطراً لأن تغضب ولا أن تسكت على مضض، ولا أن تتصادم مع أحد، فالطابور يحميك وثقافة احترام الطابور تحميه هو. فمن الذي خلق هذه الثقافة، هل هو القانون؟ أم أن هذا القانون هو من خلق ثقافة احترام الطابور؟
القانون يخلق ثقافة كما أن الثقافة تخلق القانون، لهذا لا تقل أبداً إننا شعب بلا ثقافة تحترم القوانين، بل قل إننا شعب لم يعط القانون فرصته ليخلق ثقافته الخاصة به لأنه لا يؤمن بأهمية القانون. نحن نظن أننا نستطيع أن نعتمد على أخلاق الناس، فماذا لو أن أناساً ذوي أخلاق وجدوا أنفسهم مع أناس بلا أخلاق كافية في مكان لا يحكمه القانون؟ هل يتقاتلون من أجل الفوز بحقهم أم يتنازلون عن حقهم كما فعل صاحبنا في أول المقال متنازلاً حتى عن كلمة «آسف»؟
*صحيفة الحياة