خرج بعض الطلبة السعوديين من قاعات الاختبارات وهم يشعرون وكأنهم خرجوا من السجن إلى الحرية فرموا بكتبهم الدراسية التي تكومت على الأرض وكأنها مقبرة، وصاحوا بأنهم سعداء بتدشين «الفلّة».
و«الفلّة» هذه ليس لها علاقة بالفلل السكنية بل بالانفلات أو الانتثار حيثما شاؤوا بلا ضوابط وبلا قواعد وبلا حدود، بدءاً بالصحو المبكر وانتهاء بالنوم المتأخر.
انخدع الطلبة المسرورون بشدة، بهذه السعادة الهائلة لحظة الخروج من قاعة الاختبار من دون أن يعرفوا أن المسؤول عنها هو تدفق الادرينالين في الجسم بعد يوم توتر طويل تسببت به أيام الاختبارات الكئيبة والتي تجعل آخر يوم منها يوماً ادرينالياً بحق.
أسأل ابني ماذا تفعلون في ليالي الرياض «الفلّة» فيقول نذهب عند محمد ونوقف في الشارع ساعتين نتفرج على اللي يفحطون وفي اليوم الثاني نذهب عند سعود و «نتكّي» في الملحق، وما بين الوقفة في الشارع و«التكيا» في الملحق يجلس شباب تموج دماؤهم بالطاقة العنيفة والطامحة للعدو والركض واللعب والراغبة في التنافس والتميز والتعبير عن الشخصية ونيل الاعتراف من المجتمع، لكن كل هذا العنف الشبابي يبقى في الصيف معرضاً، ومكشوفاً أمام مهربي الحشيش وحبوب الكبتاغون الذين يجدون في فراغ الشباب مرتعاً لتصريف سمومهم فهم يشعرون بعد أسبوع نوم طويل بأن هذه «الفلّة» الموعودة لم تأت كما توقعوها، فيدلس مروجو «الفلّة» الوهمية على هؤلاء الشباب يغرونهم بـ «فلّة» تجلبها لهم الحبوب والحشيش، أما الذين يظنون أنهم في مأمن عن هذه السموم، قد يكونون معرضون أيضاً لغيبوبة أخرى في محاضن ومعسكرات دينية تحارب الحياة وتدعو لاختصارها والذهاب للموت بحماسة شديدة حيث «الفلّة» هناك. كلها رغبات في الغياب والبحث عن «فلّة» لا وجود لها في الواقع الفقير، لأن «الفلّة» الأرضية التي توقعها الطلبة بعد رمي المعرفة على الأرض لم تقودهم لمعرفة أخرى أغنى وأبهج وكأنهم خرجوا من سجن إلى سجن.
*صحيفة الحياة