تأخرت الطائرة قليلا وركبنا أخيرا. أذكر مسألة التأخير بلا ضغينة على الخطوط السعودية. تأخرت ساعة ونصف الساعة فقط. إذا كنت أدور مشكلة سألفت النظر إلى الأفياش. حاولت أن أشبك شاحن جوالي في فيش من أفياش المطار. وجدت فيشاً في صالة الدرجة الأولى. لم يركب عليه الشاحن ولم يركب عليه اللاب توب حتى الفيش المتعدد العالمي لم يتفق مع فتحاته. أهنئ إدارة مطار الملك خالد على هذا التميز.
ركبنا الطائرة. صادفت سعوديا بصحبة زوجته. أين الغرابة؟ الغرابة في أن الرجل يجلس في مكاني وزوجته تجلس في مكان رجل آخر والكرسي الذي يليها فارغ. اتضح بعد سؤالين أو ثلاثة أن الهدف حماية المدام من الذئاب البشرية. صرت ألف وجهي يمينا وشمالا وفوق وتحت حتى لا اتهم بالذئبية. بصراحة (بيني وبينكم) تمنيت أن ألقي نظرة على جمال هذه المرأة التي حصنت بثلاثة مقاعد وزوج له عيون يتطاير منها الشرر. لكني توخيت السلامة. ألقيت بعيوني في أقصى الطائرة حتى لا تقع على المدام ثم تحولني قبضته الفولاذية من ذئب بشري إلى دجاجة بشرية. كان كريما معي. أخذ يبحث لي عن كرسي شاغر يلزقني فيه. سيبقى عرين الأسد تحت الصيانة الصارمة رضيت أم أبيت. صار في المجتمع منطق غريب. إذا كان معك امرأة يحق لك تدافش الناس وتأخذ أمكنتهم وتستولي على أكثر من حقوقك. إذا حان وقت الصلاة ليس غريبا أن ترى سيارات تقف في منتصف الطريق وتعطل بقية المرور. اسميها تسهيلات صلاة. جاءت المضيفة وتحدثت معه قليلا دون فائدة. طلبت مني ان اتبعها إلى مقعد أفضل. يبدو أنها تملك خبرة في التعامل مع أعضاء جمعية مكافحة الذئاب البشرية.. تركت الرجل وزوجته المصون ومشيت مطأطئ الرأس متيبس الرقبة وسرت كما تسير الضباع حتى لا تسول لي نفسي الالتفات. لم أنس أني علماني، قادني قدري أن أجلس إلى جانب رجل من نفس الموديل. اكتشفت أن الرجل كان يتابع الأحداث عن كثب، استقبلني مستبشرا، شكرني على تنازلي عن مقعدي. يدخل تصرفي تحت باب صون المرأة. بعد قليل من الحديث وصلنا إلى صلب الموضوع. الرجل عمره فوق الخمسين، متزوج من ثلاث نساء، اثنتان منهن في أول العشرين من العمر، زوجاته ولله الحمد بيضاوات جميلات صغيرات في السن، أنا أحب الجمال، هكذا يردد وينصحني أن أحذو حذوه. روعة منطقه أنه من أكبر مكافحي العنوسة. أفضل طريقة لمكافحة العنوسة هي التعدد.. هكذا يقول ويؤمن.. يتزوج صغيرات السن ليكافح العنوسة. يبدو أن الزواج من صغيرات السن لمكافحة العنوسة حركة استباقية لاعتراض المشكلة في الأفق قبل وقوعها. عقول ابداعية لا نملك سوى إجلالها أجلكم الله. لم أقاطعه وأنبهه إلى الخلل في منطقه. تركته يقدم النصائح تلو النصائح. حشد من المفاهيم المعلبة المولجة في الرأس دون تمحيص. لم يكن كلامه يهمني.. أريد أن أرى أين يقع عقله وسط هذا الغبار الأخلاقي الكثيف. شعرت أن عقل الرجل في الحفظ والصون. هذا الركام من النصائح العصماء وظيفتها تعطيل الضمير.
*صحيفة الرياض