كان أكبر من الزمن الذي عاش فيه. اضطر أن يتجزأ إلى عدة رجال حتى يمر من النفق كما يمر الآخرون. تحت اسم واحد تحققت نجاحات خالدة. كل نجاح منها يكفي مجدا لإنسان. كنا نسخر من ظاهرة الأدباء المسؤولين أو ننافقهم. تفشت هذه الظاهرة في الثمانينيات الميلادية. كان غازي واحدا منهم، مسؤولا وأديبا وشاعرا. لم ينتزع أي اعتراف حقيقي من الصفحات الثقافية السعودية. تنتشر أعماله بقوة حضوره الوظيفي. اشتهر ديوانه الأول: معركة بلا راية. عنوان جميل.
كنا نقرأه بإزاء نزار قباني وخليل حاوي وصلاح عبدالصبور وبقية شعراء الحداثة. لكن وضعه كمسؤول وسعودي يفسد علينا جمال القراءة. قراءة مسبقة الموقف. كان ذلك الديوان نموذجا للقراءة الجمالية التي تحاكم باسم الشخص ووظيفته. أتذكر كنت استمتع بقراءته، وأحفظ بعضا من أبياته دون التصريح بذلك. شيء محزن أن تخفي الجمال. من حسن حظي أني لم أكن أحتفي بالشعر أو أكتب عنه. أزاح هذا عن عاتقي كثيرا من الشعور بالذنب. لتمضي الأيام إلى أن أصدر روايته شقة الحرية. قرأتها أكثر من مرة. اهتزت المقاومة. اكتشفت بأني أمام أديب كبير. سقط من خيالي المسؤول. أول رواية سعودية ناضجة. ذكرتني بروايات الواقعيين كبلزاك. ليست عملا أدبيا ولكنها ثورة حقيقية في مفهوم الأدب في المملكة. كان الجو العام أقرب إلى روايات جيمس جويس( تيار الوعي).الغموض والصور الشعرية المونلوج الداخلي الخ. تمرد غازي على ضغط السوق وكتب قصة تعد في حينها كلاسيكية. لن ترضي النقاد ومحرري الصفحات الثقافية. تخطت العنجهية الأدبية ودخلت على الشارع. أعاد غازي بعمله هذا سلطة القارئ العادي. دون مجازفة يمكن القول إن غازي القصيبي هو أول من أزال من الطريق الأعمال الإبداعية المثقفية( كما يسميها الناقد المغربي يقطين) بهذه الرواية قدم النص الذي يقرأه الجميع. دخل الرواية ولم يتخل عن الشعر. حسمت الرواية الموقف منه كشاعر وروائي.
آلمني موته. رغم تقدمه في السن مازال أمامه طريق طويل من الإبداع. غرق في وزارة العمل. قتلته في النهاية. كان التحدي أكبر من قدرته ومن قدرة أي إنسان. لا يمكن أن تصارع حالة ثقافية متصلبة بأي سلطة. دخل وزارة العمل بحلم عريض. قرر أن يكتب من خلال هذه الوزارة ما لم يكتبه العرب في تاريخهم. ملحمة كبرى ينافس بها الإلياذة لهوميروس. الشعر والرواية في مجلد واحد. كانت ستكون بعنوان السعودة. أغراه العنوان. عنوان شاعري جميل كمعركته الأولى التي خاضها بلا راية وانتصر. عنوان اخترعه غيره. أول الأفخاخ القاتلة التي وقع فيها.. رومانسيته ذهبت به أبعد من مهاراته الإدارية . اشتغل في الوزارة بحلم الفنان. اصطدم بأعتى قلاع الواقعية: تصارع مع رجال الأعمال والمتنفذين. القصيبي لم يهزم في حياته. الرجل الذي قدرُه النجاح إذا دخل معركة لا يريد أن يخرج منها مهزوماً يكون خياره الوحيد فيها الموت.
*صحيفة الرياض