بعيدا عن السائق.. كم عدد الذين يقرؤون الجرائد وكم عدد البيوت التي توظف عمال منازل وكم عدد الذين يسافرون إلى دبي والسولدير(أو أبعد) وكم عدد الأسر التي يقتني صغارها بلاك بري أو آى فون؟ سؤال واسع ممتد من الجوف إلى نجران، ومن ينبع إلى الجبيل. في كل مرة أكتب عن السائق أو عن حياة السعوديين في لندن وباريس يحتج عدد كبير من القراء في أكثر من موقع.
بعضهم ينسبني إلى المجتمع المخملي وبعضهم يعيرني بحشر نفسي في هذا المجتمع, وبعضهم ينبش في قلبي الحنين إلى طبقتي التي تنكرت لها كما يدعون. الكتابة في الجرائد تهتم بالامتلاك والترف والمماحكات الفكرية وتختصر السعوديين في ال (5%) الذين يقتنونها. لا يهم كتاب الصحف ما يجري فعلا في المجتمع. لم يتناول أي منهم حقيقة المجتمع الجوانية. المجتمع أوسع وأعمق من الحدود التي حشر كتاب الصحافة رؤياهم فيها. هذا على الأقل ما يتردد في المنتديات والتعليقات. من الصعب إنكار هذا كله. كثير من هذا يتظاهر أمام من يريد أن يرى. هناك تناغم بين قراء الجرائد وكتابها. كلهم يصدرون عن الطبقة نفسها وعن نفس المستوى الاقتصادي وكلهم يهتمون بشؤونهم. (قضية السائق قضية السفر قضية الفتاوى...). إذا كان هذا صحيحا فهذا مخيف. حدث مثل هذا في بعض الدول العربية في مرحلة من المراحل ومازالت آثاره السلبية حتى الآن. اقتطع المثقفون والكتاب والإعلاميون أنفسهم من الشارع المحلي وتعلقوا بالطبقة المخملية والمنفذة. صار مقياسهم الثقافي والاقتصادي يتحدد بالطبقة التي ألحقوا أنفسهم بها. لم يؤد هذا إلى طبقية معزولة فحسب ولكنه انعكس على التنمية الشاملة. صارت البلاد التي يقودونها متخلفة في صورة متقدمة. ظهرت النوادي الاجتماعية الراقية التي تضاهي نوادي لندن وباريس والمقاهي الفاخرة والبلاجات والشواطئ والروايات والقصص الأدبية المسلية وظهرت السينما الرومانسية التي تقلد هوليود في مشاهدها وظهرت الكلمات الفرنسية المغناجة على الألسنة. بدأ الناس يشاهدون الفتيات الراقيات في السيارات الفاخرة بالملابس الأوروبية القصيرة بينما بقي أكثر من ثمانين في المئة من الشعب خارج الاهتمام حتى ترسخت الأغلبية في المنتج الإبداعي في صورة الخدم أو مادة للتنكيت.
من الواضح أن الصحف المحلية تضخم القضايا الأيدلوجية وتعجز عن طرح البعد المادي للمشاكل. القضايا الأساسية تطرح في الصحف كمادة فكرية. تفشي السحر والرقية وأنساب الأمراض النفسية إلى الجن والعفاريت وغيرها من خرافات،الصحوة تتعامل معها الكتابات الصحفية في حدود الجدل الايدلوجي دون الاقتراب من بعدها الاقتصادي. هذا التوجه الأيدلوجي أعمى بصيرتنا عن البعد المادي للأشياء . لو قدرنا أن نفكر خارج حمى الجدل الأيدلوجي ربما قلبنا قاعدة التفكير. الإنسان بطبيعته يبحث عن الحلول. خيالي يزين لنفسه ما يريد. كلما ضعف في مواجهة الواقع احتمى بخياله. ما الذي يمكن أن تفعله الصحافة؟ سؤال يطل على أشياء نتحاشى الاقتراب منها.
صحيفة الرياض