الأخبار الصحافية التي تنشر هنا وهناك عن محاكمة المتهمين بقضايا الإرهاب في جدة تحمل تفاصيل لا يمكن المرور عليها من دون توقف ونقاش كونها تخفي خلفها كثيراً من الأسباب والظروف التي تشكلت على إثرها شخصية الإرهابي، كما أن سلوك بعض هؤلاء المتهمين خلال المحاكمة يكشف بشكل أو آخر عن اضطراب في شخصياتهم ربما يكون مرده إلى البيئة والظروف التي أفرزت تركيبة شخصية كل منهم.
أحد المتهمين كما نقلت وسائل الإعلام افتخر بممارسة الشذوذ الجنسي مع إرهابي آخر، معتبراً ذلك شرفاً، وهو أمر محير! لأن الدين الذي يدّعي هؤلاء انتسابهم إليه يجرم هذا السلوك المشين الذي عوقب بسببه قوم لوط، لكن ومع ذلك تبقى قاعدة استحلال الموبقات لدى أفراد هذه الفئة المجرمة «ورقة الجوكر» التي يتم استخدامها في أي وقت لمصلحة «العصابة» وتلبية متطلباتها حتى تلك المتطلبات «الجنسية الشاذة»!
إن مثل هذا المنحرف عن الفطرة والدين لم يتشكل في يوم واحد ولم يصل لمرحلة المفاخرة بشذوذه الجنسي إلا بعد أن اختمرت شخصيته في محاضن الانحراف، تلك المحاضن التي جعلت منحرفاً آخر يضع كمية كبيرة من المتفجرات في مؤخرته ليفجر نفسه في محاولة غادرة لاغتيال الأمير محمد بن نايف.
في الأيام القليلة الماضية تسربت عبر وسائل الإعلام معلومات عن أحد المتهمين بالقضايا الأمنية بعد بدء محاكمته مع مجموعته التي تم القبض عليها في استراحة بضاحية «ذهبان» التابعة لمحافظة جدة، واللافت أن المتهم هذه المرة أستاذ جامعي معروف كان يمارس مهنة التدريس في جامعة الملك عبدالعزيز، بجانب خوضه صولات وجولات عبر الفضائيات تحول معها لنجم لدى متابعيه من أفراد التنظيمات المتطرفة والخلايا المسلحة على المستوى الإقليمي كما تحول بحسب الاتهامات الموجهة له من ممثل هيئة التحقيق والادعاء العام إلى «عقل مدبر» لتلك الحركات المشبوهة، والغريب أنه كان يعمل بشكل شديد الوضوح وشديد السرية في الوقت نفسه، فقد كان يعقد الندوات ويستضيف كبار قادة الحركات الإقليمية المسلحة في منزله ثم يعقد لقاءات أخرى مع أفراد التنظيم في المسجد النبوي ليضمن عدم اكتشافها، لأن زوار تلك البقعة الشريفة مشغولون بالعبادة والدعاء، لا التخطيط لقتل وإرهاب المدنيين والأبرياء.
«الحياة» نشرت أمس الأول معلومات مهمة عن تواطؤ هذا الأكاديمي مع انتحاري حاول تفجير القنصلية الأمريكية في جدة عام 2004، بجانب تستره على أحد المطلوبين أمنياً واصطحابه خارج المملكة، وهذا أمر ليس بمستغرب على المهتمين بمتابعة تحركات وسلوكيات أفراد التنظيمات المسلحة، التي دائماً ما تستخدم أذرعاً في النور وأخرى في الظلام، حيث تعمل الأذرع التي تعيش في النور على خدمة مصالح التنظيم بشكل غير مباشر، ويتم تصويرها للعامة على أنها رافضة لسلوكيات التنظيم ومعادية له وربما تم تسويق ذلك عبر وسائل الإعلام، وهذه العناصر من التنظيم هي الخطر الأكبر كونها تتغلغل في مفاصل المجتمع ومؤسساته لنشر الفكر الضال عبر «الكاريزما» المميزة لأصحابها فهذا أستاذ جامعي وطبيب معروف وذاك داعية مشهور عبر البرامج التلفزيونية، وآخر منشد له من النجومية ما يفوق نجومية لاعبي كرة القدم وعلى هذا النحو تسير الأمور على أيدي هؤلاء لتجنيد المزيد من الأتباع الصغار عبر المحاضن المشبوهة من استراحات ومخيمات مهمتها تعزيز بذور الانحراف فيهم وتوجيه نزعاتهم المرفوضة دينياً وأخلاقياً لخدمة أهداف التنظيم الإجرامية، فالشاذ جنسياً والمضطرب سلوكياً سيجدان من يوجه ذلك الشذوذ والاضطراب لتحقيق أكبر فائدة منهما لأصحاب الأجندة التدميرية على قاعدة «الغاية تبرر الوسيلة»، وهذا ما يجب أن نتنبه له جيداً.
*صحيفة الحياة