قبل أيام حكمت محكمة جنايات أمن الدولة العليا في مصر بحبس الداعية السعودي الشيخ عوض محمد القرني لمدة خمس سنوات في قضية التنظيم الدولي للإخوان، وجاء الحكم غيابياً، لأن القرني رفض الاتهامات الموجهة له، وكذلك المثول أمام المحكمة، وهو موقف غريب من الشيخ الذي كان يُفترض به أن يقف أمام القضاء ويدافع عن نفسه ويثبت براءته بكل ثقة ما دامت التهم الموجهة له غير صحيحة، كما أوضح في تصريحات صحافية سبقت صدور الحكم.
تصرف الشيخ الذي أدى لصدور هذا الحكم عليه وربما التعميم عنه من خلال «الانتربول» قريباً يجب أن يُقرأ بعناية وتدبر، فهو حالياً مطلوب للعدالة ومدان بتهم منها غسل الأموال ودعم جماعة محظورة، وكما يعرف الجميع أن المحكمة التي أصدرت الحكم ليست في دولة عدوة، أو في كوكب آخر، وإنما هي محكمة نظامية في دولة شقيقة للسعودية، كما لابد من الإشارة إلى أن هناك اتفاقات سياسية وأمنية بين مصر والمملكة، قد تنطوي على تسليم المطلوبين للعدالة في أي من البلدين، ما يعني أن الشيخ بات في مأزق من الصعب الخروج منه قانونياً، بسبب موقفه الذي كان سيبدو معقولاً لو أنه يتمتع بحصانة ديبلوماسية مثلاً، لكن كيف سيخرج من هذا المأزق الآن، وهل يعتقد الشيخ أن تصريحاته النارية التي أطلقها طوال فترة المحاكمة عبر مواقع «الانترنت» ستمنحه تلك الحصانة وستوقف تنفيذ الحكم؟!
الحق أقول إننا أمام قضية تكشف عن مدى الجهل بالقانون والحقوق لدى الكثير من السعوديين بمن فيهم فئة الأكاديميين التي ينتمي لها الشيخ عوض، وكان يجب ألا يُترك هكذا مسلماً نفسه لمكابرته وتصفيق الجماهير التي طارت بتصريحاته عن رفضه الامتثال للمحاكمة، ورددت خلفه أن المحكمة غير شرعية، بل كان من الواجب أن تتدخل الجهات الرسمية المسؤولة في السعودية على الأقل للاستماع له وتوكيل محامٍ للدفاع عنه، فهو في آخر المطاف مواطن سعودي ووجوده في قائمة المتهمين في مثل هذه القضية قد يسيء بشكل أو آخر للمملكة، كما كان من المهم أن يلجأ هو نفسه لهيئة حقوق الإنسان السعودية متظلماً من التهم الموجهة له لتقف معه في حال اقتناعها بصحة موقفه وتوكل له من يدافع عنه في بلد المحاكمة.
إن المتابع لسيرة الدكتور عوض القرني وتصريحاته طوال السنوات الماضية سيكتشف أن هذا الرجل حوصر منذ إصداره كتابه «الحداثة في ميزان الإسلام» بما يمكن وصفه بـ «سلطة الجماهير»، التي أعتقد أنها السبب الحقيقي في ما وصل إليه حالياً من وضع قانوني، فقد عملت تلك الجماهير «الطبالة» على تلميع صورته وتثبيته أمام تهديدات مخالفيه بمقاضاته نتيجة الاتهامات التي وجهها لهم، مستخدماً أسماءهم الصريحة في كتابه آنف الذكر، وبالطبع لم يقاضه أحد، وهو ما أعتبر انتصاراً له على المستوى الشخصي، لكن الانتصارات المعنوية من هذا النوع تترك غالباً آثاراً نفسية لا يمكن تجاوزها بسهولة وقد تجني على صاحبها باتخاذ موقف خاطئ، كموقف الشيخ من المحكمة المصرية ليصبح في نهاية المطاف «ظالماً ومظلوماً»، فقد ظلم نفسه بمكابرته وظلمته جماهيره بدفعه إلى السجن من خلال تثبيته على موقفه، لكن العزاء الوحيد يكمن في أن هذه الجماهير قد تستقبله بعد سنوات بعبارة «كفارة يا شيخ»، معيدة لذاكرته الانتصارات المعنوية التي لطالما انتشى بها.
*صحيفة الحياة