لطالما كان هناك تشابه كبير بين احتفالات «مزاين» الإبل، التي تقام بين فينة وأخرى في السعودية، و«مزاين» الأفكار في ملتقى الحوار الوطني، ففي مزاين الإبل يجلب كل مشارك مجموعة من أفضل إبله «منقية» ليفاخر بها و(يترزق الله) في الوقت نفسه، وهو أمر مشابه لما يحدث في ملتقيات الحوار الوطني، إذ يجلب كل صاحب فكر «صفوة أفكاره» ليحاور بها غيره من الحضور «المنتقين» بعناية لتمثيل شرائح المجتمع كافة بهدف الخروج بتوصيات تشخص الإشكاليات، وتضع الحلول لها، وتقرب بين المختلفين في نهاية المطاف.
ولأن دوام الحال من المحال، فقد جاء ملتقى الحوار الوطني هذا العام مضاداً لشبيهه، حين حمل على عاتقه مهمة محاربة القبلية والمناطقية اللتين يكرسهما معظم رواد مزاين الإبل، والظريف أن هذا الملتقى يعقد بالتزامن مع انعقاد أكبر مزاين للكائنات الصحراوية اللطيفة في السعودية، فملاك الإبل عدا قلة منهم يجسدون المعنى الحقيقي للقبلية في أوضح صورها، وهم الأحق بالحوار من غيرهم ممن يقرأون عن القبلية في كتب التاريخ والأنساب، وإن كان هناك تغيير فيجب أن يبدأ منهم لا سواهم، كونهم قادرين على تفنيد ما يلصق بالقبلية والمناطقية من سلبيات بكل بساطة.
والحق أقول إن الثقافة العربية في مجملها ثقافة قبلية «عرقية»، بل إن الإسلام الذي اصطبغت به منذ أكثر من 14 قرناً عزز مسألة «الانتساب القبلي» وحرم أن يدعى الرجل بغير اسم أبيه، وفي السنة المطهرة الكثير من الأحاديث التي يدعو فيها النبي «صلى الله عليه وسلم» لقبائل أو مناطق معينة ويمتدح قبائل وسكان مناطق أخرى، كما أنه كان يفخر بنسبه الشريف بشكل دائم، وهذا يوضح أن القبلية ليست شراً في حد ذاتها، وأن الحفاظ على الأنساب وحب الديار جزء أصيل من ثقافة العرب لا يمكن أن يتخلصوا منه، وهنا يجب أن نتساءل أين مشكلة القبلية والمناطقية بالضبط؟!
لو قررنا أن نجمع كل السلبيات والمساوئ التي يتم إلصاقها بالقبلية والمناطقية، لوجدنا أنها تتلخص في الكراهية الناتجة عن التمييز العنصري، والواسطة التي تخلف ظلماً يقع على الأفراد، إضافة إلى إشكالية الولاء للقبيلة والمنطقة على حساب الوطن، وجميع هذه السلبيات هي إشكاليات مستقلة وموجودة بوجود القبلية والمناطقية أو بدونهما، ولتتضح الصورة يمكن إعادة صياغتها على الشكل الآتي: «التمييز العنصري، الفساد الإداري، ضعف الانتماء الوطني»، وهنا يتضح جلياً أن علاج الأولى في سن قانون عقوبات واضح لقضايا التمييز العنصري، وعلاج الثانية باعتبار الواسطة جريمة فساد إداري ومحاكمة المتورط فيها، بجانب العمل على وضع خطة استراتيجية وطنية لمعالجة مشكلة ضعف الانتماء الوطني بالبحث عن أسبابها الحقيقية التي قد تكون الفقر أو الخوف أو البطالة أو غيرها، بعيداً من الدخول في نقاش طويل غير مفيد.
اختصاراً أقول إن أفراد القبائل بكل سلبياتهم، وأولئك المنتمين للمناطق والمدن بكل سلبياتهم، هم المكون الحقيقي والوحيد للمجتمع السعودي، وبالتالي فإن الحوار حول سلبيات القبلية والمناطقية، كما هو قائم الآن، ليس سوى حوار حول سلبيات المجتمع، ولذلك يجدر بنا معالجة هذه السلبيات بدلاً من توجيه التهم للمجتمع أو التفكير في حله!
*صحيفة الحياة































