يدي على قلبي ونحن على أبواب معرض الرياض الدولي للكتاب، فهذه المناسبات الثقافية فرصة لا تتكرر لأن نتواصل مع ثقافات الدول الأخرى، لا للدخول في جدل عقيم، واحتساب متشدد، يكون الخاسر فيه أولاً وأخيراً الوطن ولا أحد سواه.
في ظل الموجة الهوجاء التي تعاكس المنطق، وتصبُّ الزيت على النار، لا نقول إلا: هذا يومكم يا شرفاء القطيف، فكنتم، وما زلتم، أبناء بارين لهذه المملكة، لا يزايد عليكم أحد، ولا يلغي مواطنتكم إلا متجنٍ، وها هم المطلوبون ومَن خلفهم يريدون بالوطن شرا، وأنتم تريدون له خيرا، فلا تتركوا الفرصة لهم، فإن خطرهم على أهلنا في القطيف، أضعاف خطرهم على باقي أجزاء البلاد.
كم كان لافتا ومؤثرا التغيير الذي طرأ على إعلان الرياض، الذي صدر في ختام قمة مجلس التعاون الخليجي، أمس، فللمرة الأولى في تاريخ إعلان وبيانات المجلس على مدار قممه الاثنتين والثلاثين، تحضر المرأة الخليجية كمواطنة بجانب الرجل، الذي كان مهيمنا على اللغة التي تستخدم في البيانات الصادرة، وكأنه وحده الحاضر في مجتمعاتنا الخليجية، بينما غابت، أو غُيِّبت، المواطنة الخليجية رسميا عن اللغة الرسمية لمجلس التعاون.
أما وقد كشف ''بنو لكن'' عن مطامعهم سريعا، واستغلوا الطعن في خاصرة الوطن أبشع استغلال، فلا أفضل من هذه الصراحة في تسمية الأسماء بأسمائها. توقعناهم يبرّرون لمَن حمل السلاح على الدولة في أحداث القطيف الأخيرة. ظننا أنهم سيكتفون بالبحث عن مخرج لمن طالب بإسقاط الدولة والانقلاب عليها، مع الأسف كنا مخطئين، فهؤلاء جاوزوا الحد في اختلافهم مع الوطن وأهله، وأعلنوها على رؤوس الأشهاد: مرحبا بالتدخل الخارجي في السعودية، ولِمَ لا فالغاية لديهم تبرر الوسيلة.
بينما آمال الشارع السعودي معلّقة على عقلاء القطيف، ترقباً لأداء واجبهم ومسؤوليتهم في نزع فتيل أزمة أحداث القطيف الأخيرة، كانت المفاجأة ممن كان أكثر أولئك العقلاء أملاً فيهم. فالشيخ حسن الصفار، وهو أحد رجال هذا الوطن، خرج في خطبة الجمعة الأخيرة بمجموعة من التناقضات غير المفهومة، لعل أبرزها كان في دعوته السلطات السعودية لمبادرة ''تنفيس الاحتقان''!
لم يكن مفاجئا الإعلان عن خلية بحرينية تخطط للقيام بعمليات إرهابية في جسر الملك فهد والسفارة السعودية في المنامة، فالمخطط الإيراني ضد دول المنطقة مستمر، والبيئة الخصبة لتنفيذ هذا المخطط متوافرة، في البحرين خصوصا أكثر منها في إيران، إذن من سيمنع طهران من مخططاتها؟ الإجابة حتى هذه اللحظة: لا أحد.
يبدو أن شيخنا يوسف القرضاوي اختلطت عليه المسائل كثيرا، فأصبح لا يفرق بين القضايا العامة التي تهم المسلمين، والقضايا الخاصة التي هي من شؤون هذا المجتمع وذاك. هذا الخلط، الذي آمل ألا يكون متعمدا ومقصودا، بان واتضح في الرسالة التي قال القرضاوي، عبر موقعه الإلكتروني، إنه أرسلها لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، يدعوه فيها إلى السماح للمرأة بقيادة السيارة، ولعل أول سؤال يتبادر للذهن هنا: هل قيادة المرأة للسيارة أو عدم قيادتها، من القضايا المصيرية للمسلمين حتى يطل فيها القرضاوي أو غيره طالما أنها لا تخصهم من قريب أو بعيد؟
محاكمات الإرهابيين في السعودية فيها الكثير مما يلفت الأنظار لمَن يراقب الشأن السعودي، بداية من فتحها أمام وسائل الإعلام، مروراً بالعدائية الواضحة التي يبديها المتهمون لوسائل الإعلام الحاضرة، وانتهاءً بالمعلومات الخطيرة التي تُكشَف في كل جلسة، دون حجبٍ من الجهات الأمنية، وهذه نقطة تسجل للانفتاح في التعاطي الأمني مع الإعلام الذي نلمس انعكاس تأثيراته الإيجابية المتعددة.
يبدو أن اللوبي المتعاطف مع إيران داخل السعودية آخذٌ في التشكُّل شيئاً فشيئاً، بل واضحٌ أنه ذاهب بنا إلى أبعد مما كنا نتخيل. البعض يعتبر أنه لا ضير في ذلك، فالاختلاف في الرأي - كما يُقال - ضرورة حضارية، وهناك من هذا اللوبي مَن لديه وجهة نظر تؤمن بأن إيران دولة ''صديقة'' وليست عدوة، على عكس تصرفاتها وأعمالها العدوانية المتواصلة، بدءاً باحتلال الجزر الإماراتية مروراً بالمطالبة بالبحرين كمحافظة إيرانية، ثم التدخلات التي لا تتوقف في الشؤون الداخلية لدول الخليج، وأعمالها الإجرامية في مواسم الحج، وانتهاءً بتأييدها للمحتجين في البحرين الذين طالبوا بإسقاط الملكية وإقامة جمهورية إسلامية، ناهيك عن أعمالها الإرهابية هنا وهناك.