كان الداعية يكرر كل بضع دقائق في قصة عن شاب يسائله: وقال يا الشيخ ويش رأيك في .. يا الشيخ أنا صار لي .. ويا الشيخ أنا ما أدري ..
وكأنما يريد هذا الداعية أن يؤكد لنا في كل فرصة أنه شيخ بحق وحقيق.
ومثله الشيخ الصغير الذي أعطته إحدى الفضائيات فرصة الظهور في برنامج رمضاني، فصار يبعث لنا عبر الجوال رسائل من "الشيخ" للاشتراك في خدمة مدفوعة يعلمنا عبرها كيف نتلذذ بالصيام والتعبد، ويبعث لنا بأذكار نتقرب بها إلى الله زلفى.
يبدو أننا أمة تعشق "المظاهر" وتؤمن بها. فـ"السمة" هي التي تشي لنا بالشخصية. فاللحية المسدلة، والثوب القصير والغترة أو الشماغ بدون عقال مع المسواك يكفون لأن نعطي اللقب "البدعة" لأي طارئ أو مستجد، مع كل المزايا التي تواكب لقب “شيخ”. فإن كنا في صلاة قدمناه، وأن تأخر الخطيب دعوناه للمنبر، وإن أشكل علينا في الدين أمر استفتيناه.
ولأن الدين المعاملة، والتجارة ثقة، فقد أستغل كثير من الخبثاء هذا التقديس للسمة فباعونا الهواء وأثروا من ورائنا وضاعت أموالنا قبل أن تتكشف الألاعيب.
ففي الثمانينات الميلادية طلع علينا من استحقوا بمظهرهم وما بدا من سلوكهم وكلامهم "اللقب". تجار ومستثمرون أسسوا شركات ومؤسسات ودكاكين بعنا مافوقنا وماتحتنا لنستثمر معهم ونحصل على الأرقام الفلكية التي يقدمونها كأرباح لا لسبب منطقي واضح غير "البركة" و"الرزق الحلال".
وخرج علينا معهم شيوخ كبار زكوهم واستفادوا منهم بما سمي وقتها صكوك البركة أي أسهم تعطى مجانا لأصحاب الفضيلة العلماء طمعا في بركتهم.
وظهر زيف هؤلاء مرارا وتكرارا، وهرب كثير منهم بأموالنا إلى أوروبا وقبض على كثير وسقط معهم المظهر والسمات فضاعت الواجهة الدينية، ومع ذلك لم نتعلم من الدروس. فقبل وبعد مساهمات بطاقات "سوا" ظهرت عشرات الحيل، وأستخدم كثير من أصحابها سمات الصالحين كعدة نصب لا تفشل مع سذاجتنا. حتى سمعنا مؤخرا عن الشيخ الإمام الذي جمع الملايين في القصيم، ثم هرب وظهر بـ"نيو لوك" في مجلات وصحف أجنبية كـ"بلاي بوي" قبل أن يقع في قبضة الأمن.
الغريب أن هؤلاء المشايخ يتكلمون كثيرا عن البدعة، حتى لنكاد نحرم من كل جديد ومستجد في حياتنا بسبب هذه التهمة. ومع ذلك لم يفكر أحدا في بدعة الألقاب. فمن أين أتينا بلقب شيخ وصاحب فضيلة ومافوقها؟ هل كان في السلف الصالح من يصف العلماء بذلك؟ كان حبر الأمة عبدالله بن العباس لا يحمل لقبا. بل ولم يحمل هذا الألقاب أي من الخلفاء الراشدين. ولم يمنح لأئمة المذاهب كلها.
وهل كان هناك لباس موحد لعلماء الأمة الإسلامية في العصور الراشدة؟ أليس من التشبه بغير أهل الملة أن نعطي علمائنا وأئمتنا "يونيفورم" وأسماء وألقاب وحصانة ما أنزل الله بها من سلطان؟
أليس من الكهنوت المحرم في الإسلام أن تــ"خلي بينك وبين النار مطوع" نلجأ إليه في كل شأن وتخصص مهما كان بعيدا عنه كالطب والتقنية والفلك؟ ثم أليس من "الجهل" أن نمنح لقبا يعني أن صاحبه صاحب علم وفضل وتفوق بدون معايير علمية دقيقة؟ هل يصح أن نعطي الشهادة الجامعية لمن درس ثلث عمره ثم نمنح أعلى منها لمن قرأ أو أدعى أنه أطلع على بعض كتب الفقه فيقرر لنا كيف نعيش دنيانا وأين سننتهي في أخرانا؟
ثم أننا بهذا التعظيم والتقديس الذي نسبغه على كل من أتخذ سمة أهل العلم الشرعي وأعطى لنفسه حق الوعظ والدعوة والفتيا نفسد الأنفس ونغرر بها. فالتواضع سمة العلماء، والتبجيل الزائد يفسده . والبساطة سمة الفقهاء وتمييزهم باللبس والمظهر يضيعها.
لنلغي الألقاب والمظاهر ونعود إلى بساطة وتواضع السلف الصالح إن كنا بالفعل نقتدي بهم. اللهم ردنا إليك ردا جميلا.