يقف النهار على أعصابنا والليل على أهدابنا، لا نعرف أين ندفن قلقنا أو نخبئ أرقنا، نهرب من ذواتنا لنلوذ بمراكز الدراسات الأوروبية والأميركية، لعلنا نجد، في دراسة هنا أو استطلاع هناك، دواء لقلقنا أو مسكّناً للقلق المتنامي بداخلنا على مستقبل أبنائنا. ربما لأن السياسة لدينا عطلت الفكر وأقصت المفكرين، أصبحنا لا نثق بمراكز الدراسات والبحوث المحلية والعربية والإقليمية إن وجدت. عندما يتخلى المثقفون والمفكرون، وإن قسراً، عن دورهم في صناعة الرأي العام وتوجيهه، لا بد أن يغرق المجتمع في ظلام الأزمات الفكرية والاجتماعية، وعندما يرى رجال الدين أنفسهم مرابطين على الثغور دفاعاً عن العقيدة والذب عنها فقط، لا بد أن يطل التطرف من ثغر آخر. وحدهم العلماء والمفكرون والمثقفون يستطيعون أن يجدوا المقاربات التي تبدد قلق المجتمع وتقصي أرقه لينام قريراً بلا أزمات. مراكز الدراسات الغربية تضعنا في إطار المشكلة لتزيد من قلقنا وتدفع المتطرف منا ليكون أكثر تطرفاً، وإذا ما ازداد التطرف انحصرت مهمة الدولة في التصدي للخطر وتوقفت التنمية الاجتماعية عند أحذية المتطرفين وعلى عجلات سياراتهم المفخخة.
قرأت استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة «بيو» الأميركية، ونشر قبل يومين في الصحافة العربية والمحلية، وشدني في الاستطلاع الذي شمل 25 دولة بينها ثماني دول عربية وإسلامية، ما جاء حول «التوترات» بين السنة والشيعة، إذا ما كانت محصورة في العراق أم لا، إذ ذهبت غالبية الآراء التي شملها الاستطلاع إلى أن «التوترات» المذهبية لا تنحصر في العراق، بل إنها أوسع نطاقاً من ذلك.
هذه التوترات التي يتحدث عنها الاستطلاع، لم تكن موجودة قبل أن تزف باريس أية الله الخميني عريساً إلى طهران سنة 1979، وقبل أن يعيد جنرالات واشنطن العراق إلى العصور الحجرية. كانت هناك خلافات فقهية يستطيع أن يفتي فيها ويحلها طلبة العلم في الجانبين، لكن «الخلافات» تحولت إلى «توترات» خلال ثلاثة عقود، فهل ننتظر ثلاثة عقود أخرى لتتحول «التوترات» إلى «نزاع» مذهبي، نضطر معه أن نفتح مضائقنا المائية وأجواءنا لطائرات الغرب وبوارجه؟ أعتقد أننا إن لم نجلس إلى بعضنا البعض، لن نحتاج إلى أكثر من ثلاث سنوات لنرى منطقتنا وهي تشتعل بحرب يصعب التكهن بمآلها، لِمَ لا ونحن أصبحنا نختلف كل عام على رؤية هلالَي رمضان وذي الحجة.
من حق الأكثرية السنية (90 في المئة) أن تصاب بالقلق من اجتهادات علماء الشيعة، التي تسميها «بدعاً»، ومن حق الأقلية الشيعية (10 في المئة) أن تدافع عن اجتهادات علمائها، وهم بالمناسبة أكثر نتاجاً وتحركاً من علماء الطرف الآخر، ربما لأن باب الاجتهاد لديهم مفتوح على مصراعيه، وأن لديهم مؤسسات علمية تمتلك رؤى واضحة وخططاً طويلة الأمد، وإن كنت لا أعارضها إلا في ما يخص جوهر العقيدة.
الآن بإمكان علماء السنة والشيعة، أن يجدوا مقاربات مقنعة لـ«التوترات» بين الطائفتين سواء تحت مظلة منظمة المؤتمر الإسلامي أم رابطة العالم الإسلامي، لكن إذا تحولت التوترات إلى نزاع مذهبي سيصبح من الصعب عليهم أن يجدوا أرضية مشتركة لبحث تلك المقاربات التي هي الآن بين أيدينا، وعندها ستتحول منطقتنا، وربما بلدان إسلامية أخرى، إلى كتلة من اللهب الطائفي، ويستبيح عندها الجنود الغربيون، الذين سنفتح لبوارجهم وطائراتهم أجواءنا ومضائقنا المائية، أمهاتنا وأخواتنا من دون أن يعرف الجنود الغربيون الفوارق الشرعية بين «المتعة» و«المسيار».
الآن بإمكاننا أن نعيد اللحمة الإسلامية، وأن نستلهم شعار رجل الدين والأكاديمي العراقي الدكتور أحمد الكبيسي، عندما ازداد التخندق المذهبي في العراق، فراح يقود الجماهير الشيعية والسنية في شوارع بغداد وهم يرددون: «لا سنية.. لا شيعية.. وحدة وحدة إسلامية»، فهل ندرك أن هذا الشعار هو من أبعد الكبيسي عن بلده وحرمه من التمتع برؤية مدينته وتلاميذه في بغداد، مكتفياً بترشيد كلامه عبر الفضائيات.
*صحيفة الحياة