جرت العادة أن أمر بعد وصولي إلى مكتبي ظهراً على معظم وكالات الأنباء العربية، فهناك وكالات أنباء عربية راقية ومحترمة، مثل وكالة «بترا» الأردنية و«قنا» القطرية، وأخرى «نرجسية»، وثالثة يفضل لو أن القائمين عليها حوّلوها إلى «صحيفة حائطية»، ورابعة تحتاج إلى من يقوّم اللغة العربية لدى محرريها!.
قبل الحج بأيام تصفّحت بعض الوكالات العربية، وعرجت على الوكالة الوطنية للإعلام التابعة لوزارة الإعلام في الجمهورية اللبنانية، واختصار اسمها باللغة الانكليزية NNA ولفت نظري خبر لمسؤول لبناني تربطني به علاقة صداقة، فقرأت الخبر، وإذ بالمسؤول اللبناني، وهو جد مهذب وخلوق، يمتدح الخدمات التي تقدمها المملكة العربية السعودية، وقال في ما قال: «إنه (طبعاً بصفته الوظيفية) بدأ باتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين أفضل وسائل الراحة ولتقديم كل التسهيلات والخدمات لحجاج بيت الله الحرام»، وأعتقد أنه كان يقصد تأمين الخدمات للحجاج اللبنانيين، ولكن محرر الصياغة في الوكالة لم يكن دقيقاً، فجاء الخبر وكأن المسؤول اللبناني هو من يسهر على راحة ضيوف الرحمن!.
هذا ليس موضوعنا، المسؤول اللبناني الصديق والخلوق جداً، قال في مكان آخر من الخبر ما نصه: «نحن فخورون أن المملكة العربية السعودية قامت على أكتاف اللبنانيين منذ العشرينات والخمسينات... واللبناني يلعب دوراً كبيراً في اقتصاد المملكة لأن معظم اللبنانيين هنا رجال أعمال».
من المؤكد أن الأشقاء اللبنانيين مثلهم مثل بقية الأشقاء، ساهموا مع أهلنا في بناء الدولة السعودية في عهد الملك المؤسس، والبعض منهم لا يزال أحفاده يعيشون بيننا معززين مكرمين، عرفاناً بجميل وصنيع أجدادهم، وعملاً بقوله تعالى: «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان»، ومع ذلك سأتجاوز ما قاله المسؤول اللبناني الصديق، من أن المملكة بنيت على أكتاف اللبنانيين، لأناقشه في التفاصيل، مع أنني حفيد ذلك الشاعر المتعصب عمرو بن كلثوم الذي قال ذات جنون:
«الا لا يجهلن أحد علينا... فنجهل فوق جهل الجاهلينا»
أيها المسؤول اللبناني العزيز:
هذه البلاد لم تبنَ على أكتاف اللبنانيين وغيرهم، اللبنانيون والعرب (أغلبهم) جاء بعدما استقرت البلاد ودانت الأرض للملك المؤسس، وأصبحت له «أطوع من النضوا ذلول اللحاوي» (شطر من بيت شعر «نبطي» لا يعرفه إلا من ساهم أجداده حقاً في بناء هذه البلاد)، وهم (الأشقاء العرب) جاؤوا ليساهموا في البناء الحجري للدولة السعودية الثالثة، بعدما فتح الله عليها خزائن الأرض، أما البناء السياسي، فالذين ساهموا فيه معروفون. انهم أولئك الحفاة المتشققة أرجلهم لكثرة ما ساروا على الرمل. أولئك الرجال الذين نشفت شفاههم قبل أن يردوا «هداج» أولئك السمر الميامين الذين نطحوا الحراب بصدورهم العامرة بالإيمان. أولئك الأباة الشم الذين لا يشبههم أحد. أولئك الذين لبّوا نداء الحق، وهبّوا لتوحيد أرض مزقتها الفرقة والقبلية بعدما انتقلت الخلافة الإسلامية منها إلى عواصم الماء والخضرة في دمشق وبغداد ومن ثم الباب العالي.
نحن لا ننكر أن معظم الأشقاء ساهموا معنا في مسألة البناء الحجري، والبعض منهم رفدنا بمعلمين وكثير من المقاولين، لكن ذلك كان قبل تأسيس «نادي باريس»، أي أن الدولة السعودية دفعت ثمن المقاولات وأجور المعلمين من إيراداتها، وليس من خزائن الدول المانحة، كما هو معمول به الآن. في الوقت ذاته، نحن في السعودية وقفنا مع معظم الدول العربية بعقولنا وقدراتنا السياسية وأموالنا ولم «نضرب أحداً منهم بمنة». نحن جمعنا العراقيين في مكة لنردم الفجوة بين فرقاء بغداد، وبالأمس اتهمنا ضابط عراقي كبير بتمويل تفجيرات بغداد، من دون أن يخجل، وهو يرى معسكرات الحرس الثوري الإيراني وهي تنتشر في بلاده، لتمويل رؤوس الفتنة والإرهاب الذي فتك بالعراقيين!
بعدها جمعنا الأشقاء الفلسطينيين وفي مكة أيضاً، وقبل أن يجف حبر الاتفاق، انهالت علينا الاتهامات من بعضهم، وفي الحالين لم يصدر عن الرياض أي رد فعل، ليس عجزاً، ولكن احتراماً لشهداء العراق وفلسطين.
من حق المسؤول اللبناني أن يذكّرنا بدور الجالية اللبنانية في السعودية، وهو دور مقدر لأننا نعرف أبعاده ومراميه جيداً، ولكن ليس من حقه أن يضخّم هذا الدور لتتحول أدوار أهلنا إلى وهم مجرد.
*صحيفة الحياة