كارثة جدة المأساوية حركت الكثير من الأقلام الوطنية الغيورة على الوطن ؛ لأن تنشط في تسليط الضوء على دهاليز الفساد وخباياه، كما نشطت المنابر هي الأخرى في بيان الأحكام الشرعية و (استخلاص) المواعظ والعبر من تلك الكارثة ووجوب التوبة من المعاصي التي كانت السبب الحقيقي خلف كل ما حدث في جده كما يقولون ، وبطبيعة الحال لم تكن معصية التطرف والغلو أحد تلك المعاصي ، إلا أن الشيخ محمد المنجد أتى كعادته بما لم يأتي به الأوائل، حيث توصل بعبقرية منقطعة النظير إلى مجموعة من الأحكام (الخاصة) بالكوارث كانت غائبةً عن الجميع لولا أن مَنَّ الله على فضيلته بأن يذكر بها أهل جده الغافلين والمنشغلين بتضميد جراحاتهم ودفن موتاهم واستخراج جثث ذويهم!
جاءهم الشيخ من فوق منبر بيت من بيوت الله ؛ ليذكرهم بأن من الأحكام الشرعية (الدقيقة جداً) أن "طين الشوارع إذا لم يظهر به أثر النجاسة فهو طاهر وإن تيقن أن النجاسة فيه فهذا يعفى عن يسيره" كما أكد فضيلته في لفتة إنسانية فريدة بأن “الوحل مع وجود المشقة عذر يبيح الجمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ” فقد مَنَّ الله على أهل جده بأن قضاياهم قد انقرضت ولم يتبقى لهم إلا معرفة حكم طين الشوارع ومعرفة (ضابط ) الجمع بين الصلاتين ، وكأنها منحة من فضيلته ؛ فالشيخ حفظه الله جعل لها ضابطاً دقيقاً وهو ( المشقة ) وهذا لا يتأتى إلا بالرجوع لطلبة العلم الشرعي القادرين وحدهم على معرفة انطباق الضابط من عدمه ، وكنت أتمنى من فضيلته أن يقترح إنشاء لجنة شرعية تنبثق من لجنة تقصي الحقائق تقوم بمسح ميداني لإحياء جده المكلومة من أجل تحديد انطباق (المشقة )من عدمها ، فلا يكفي أن يحبس الناس في بيوتهم يرقبون السماء وينتظرون الغوث من الأرض ، وإنما لابد أن تكون هناك مشقة وفق (الرؤية الشرعية ) التي لا يدركها إلا جهابذة طلبة العلم من أجل أن تنالهم مكرمة الشيخ حفظه الله بأن يجمعوا بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء .
أما عن (أحكام الطين) فهي مسألة في غاية الدقة و (النفاسة ) وليس كما يظن البعض – ممن قلت بضاعتهم بالفقه - بأنها من الترف الفقهي و (التفيهق ) المنهي عنه شرعا ، بل هي مسألة لم تأتي إلا بعد تعمق ودراسات محكمة وتلك النتيجة لا يتوصل إليها إلا الراسخون في العلم نسأل الله أن يكون الشيخ منهم .
طبعا لا بد من التفريق بين طين الشوارع الذي نص عليه الشيخ وطين (المنازل) و (الهدم ) لأن بينهما عموم وخصوص ، فلا بد أن يتنبه لها ضحايا الكارثة ، وأن يحملوا (فتوى فضيلته) على وجهها ، وخصوصا وأن إدراك (أحكام الطين) مقدم على المسائل الأخرى (التافهة ) كانتشال الغرقى وإيواء الناس والبحث عن المفقودين تحت ركام (الطين ) ومحاسبة اللصوص ، ويبدو أن وقت خطبة فضيلته انتهى ولم يتيسر له أن يسرد المزيد من(نفائسه الفقهية ) المتعلقة بـ(أحكام الطين) كمحاسبة من باع على الضحايا ذلك (الطين) ووجوب ملاحقة من ساهم في إخراج صكوك (الطين ) وشرعية الاحتساب على ( أباطرة الطين ) ونتمنى أن يستدرك ذلك في خطبة قادمة ، أو لعله - إن كان في العمر فسحة- أن يدونها في رسالة مطبوعة توزع مجاناً ولا تباع .