يبدو أنه أصبح من المتطلبات الصباحية للإنسان في المملكة العربية السعودية قبل الخروج إلى عمله -إضافة طبعا إلى متابعة أخبار الطقس والأمطار- أن يقرأ القائمة اليومية للمنكرات من إخواننا في الله في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى لا تزل قدمه ويجد نفسه في أحضان رجال غلاظ شداد لا يخفون في الله لومة لائم ، فتلك (القائمة السوداء) للمنكرات تتغير حسب ما يفتح الله به على صاحب الفضيلة عضو الهيئة ، الذي يملك الصلاحية الكاملة لإضافة أو إلغاء منكر من تلك القائمة ، ومحاسبة خلق الله عليه ، فما يكون (منكراً ) في الليل يتحول بقدرة الله إلى (معروف) في الصباح .
الشيخ الدكتور أحمد الغامدي رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة مكة المكرمة استيقظ ذات صباح واكتشف بعد سلسلة طويلة من التجارب العلمية (الدقيقة) بأن الاختلاط (لا بأس به ) وان الاختلاط أصبح بقدرة العزيز الحكيم (طبيعي في حياة الأمة وأن مانعوه لم يتأملوا أدلة جوازه ) التي وصفها الشيخ بأنها ( صريحة ) لذا فقد قرر فضيلته بأن يتم نقل (الاختلاط ) من قائمة (المنكر ) إلى قائمة (المعروف ) ففضيلته قرر أخيراً أن يكون وسطياً وأن يسمح للناس بأن يمارسوا حياة البشر الطبيعيين ، بعيداً عن سلطته وسلطة هيئته برجالها الشداد الغلاظ ، وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن يستمر الاختلاط على قائمة المعروف لأن (جمجمة فضيلته) قد تتغير وتعيد الأمر إلى ما كان عليه فنحن رهن تلك (الجمجمة المقدسة).
طبعا الشيخ لا يسمح لنا أن نتساءل عن مرحلة ما قبل (يقظة فضيلته) وعن الأشخاص الذين ألهبت ظهورهم بالسياط بسبب ممارسات داخلة في مفهوم الاختلاط (المباح) وعن السيدات اللاتي اختطف رجال الهيئة مستقبلهن واغتالوا حياتهن للسبب ذاته ، ولن يسمح لنا الشيخ أن نسأل عند تلك النقولات (العظيمة) التي اكتشفها فجأة ، وأين كانت مخبأة عندما كان موظفوه يلاحقون الناس ويبطشون بهم .
أن يصحو الشيخ أو يخط في سباته القديم أمر لا يعنيني كثيراً ، وإنما الذي يعنيني هو اختزال القانون في (جمجمة شيخ) وتعلق مستقبل وحريات الناس على تلك (الجمجمة المقدسة ) في تجاهل لأبسط المسلمات القانونية والحقوقية ، حيث لا يمكن لرجل من رجال الضبط الجنائي الذي تنحصر مهمته في تطبيق القانون أن تكون له سلطة تحديد الأفعال المجرمة والمباحة فتلك من مهام المؤسسة التشريعية في الدولة ، فهو يطبق القانون بنصوصه مهما كان رأيه الشخصي ، فرجل الضبط ( رجال الهيئة والشرطة وغيرهم ) وكذلك القضاة لا يصنعون القاعدة القانونية التي تحكم تصرفات الأفراد بل ينحصر دورهم في تنفيذها (فقط) ، فرأي الغامدي غير مهم للناس وإنما المهم هو إيجاد قانون يحدد عمل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويحدد سلفاً الأفعال المجرمة وعقوباتها أسوة بدول الأرض ، وأن لا نكون تحت رحمة (جمجمة الشيخ ) يحدد لنا ما يجب أن نفعل وما يجب علينا تركه فهذا يعني أن (القانون هو الشيخ) .
جميعنا نرحب بأي خطوة نحو الانفتاح الفقهي ، وتوبة أي متطرف ، وتحفيز الفقهاء نحو القراءة الواسعة لتاريخنا وتراثنا الإسلامي ، لكن تلك الأمور مجالها الفضاء الفقهي ؛ حيث النقاش و السجالات العلمية ، أما فيما يتعلق بحقوق الناس فيجب أن يكون هناك قانون محدد ، بعيداً عن الآراء الشخصية لرجال الدين أو غيرهم ، فلدينا مؤسساتنا التشريعية القادرة على سن أنظمة تتفق و الحريات العامة وحقوق الإنسان ولا تصادم قواعد الشريعة العامة التي يعرفها ابسط الناس وليسوا بحاجة إلى شيخ ليحددها لهم ، ببساطة نريد أن يحكمنا القانون لا (جماجم المشائخ) .