مها الشهري*

طالما استخدم مفهوم العمل الخيري من قبل جماعات الإسلام السياسي استخداما سياسيا لخدمة تنظيماته، لاسيما أن العمل الخيري يشكل جانبا من الجوانب التي تمثلت في استخدام الخطاب الديني واستعطاف عامة الناس واستغلال ميولهم الدينية لأغراض أخرى، ولا يقصد في هذا سوء الظن بأحد أو تفسير نوايا الأشخاص الذين يدعون الناس لجمع التبرعات من خلال حساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، فهذه اجتهادات فردية توقع صاحبها في الشك حتى ولو كان لديه شعبوية تثق به وتزكيه، وحتى وإن كان بنية سليمة، لكن الامتثال للتوجيه النظامي يخرج صاحبه من الشبهات.

أما على المستوى الاجتماعي فالملاحظ أن أكثر المتأثرين بخطاب هذه الشخصيات يعتبر تجريم مثل هذا السلوك حربا على الدين الذي يحث على التطوع والتكافل الإنساني، وهنا يقع الفرد في مأزق فكري تلتبس فيه المفاهيم، فهو من ناحية يرى الدين متمثلا في شخصية يحبها ولا يقبل التصرف معها بالشكل الذي يراه ضارا عليها، لأنه يؤمن على دينه بسياج نفسي يقتضي ضرورة الإبقاء على مكانة شخصية يقدسها ويزكيها ويستميت في الدفاع عنها، وكأن الآخر يتدين بدلا عنه، ومن ناحية أخرى نجد أن عاطفته تعميه عن الموازنة في الحكم على مثل هذه الأحداث.

يعيش العمل الخيري في حالة من الفوضى برغم أن النظام واضح ويحذر من التبرع بالأموال لأي جهة غير مرخصة وغير موثوقة، وهذا يفتح الحديث لمكافحة كافة إشكال الاستغلال والتي تظهر في أبسط صورها بظاهرة التسول في الشوارع، فما يظهر لنا من المتسول سوى شكله المعدم الذي لا يجعلنا نقاوم أنفسنا فيما يتطلبه منا واجب تقديم المساعدة، إلا أنها ظاهرة تثير الخوف أحيانا ولا نضمن خفاياها وتبعاتها.

من أجل تلافي التبعات المخيفة لهذه الظواهر فلا بد من دعم العمل الخيري الاجتماعي والتنموي بمفهومه الحقيقي، والعمل عليه بمنظومة عمل مؤسسي تبتعد تماما عن استغلال الدين في إثارة دوافع الناس لفعل الخير، بل ويجب أن ترفع الوعي بمسؤولية العمل الخيري كواجب اجتماعي وإنساني تقع مسؤوليته على الفرد المقتدر بعيدا عن الاستعطاف، لدى الناس الميول لفعل الخير ويجب خلق الفرص والبدائل من استغلال صرف الأموال في الأوجه غير المشروعة، وبطبيعة الحال فإن الناس تتفاعل مع ما توفره البيئة من صور التكافل الاجتماعي من مبدأ التسليم بفاعليتها كمبادرة إنسانية، غير أن هذه القيم راسخة في الوجود البشري لكنها تنعكس على التعاملات بشكل خلاق إذا وجدت المحيط الملائم الذي يغذيها ويحترمها.

*نقلاً عن صحيفة عكاظ

أخبار مُوصى بها :