عبدالله الشويخ

كان هناك ذلك المحل الشهير لبيع الكنافة، طعمٌ من الجنة، أنا أفضلها ناعمة وبالجبنة بالطبع، بلغت شهرته الآفاق وفتح الله عليه – كما يقال – حتى إن الإدارة العامة للشرطة كانت تضطر لإرسال دورية تنظم المرور أمام محله في المناسبات وقبيل الإفطار في شهر رمضان، وكان نفس السيناريو يتكرر بحذافيره في مدينة مجاورة، نفس الاسم ونفس اللوحة الزرقاء الجميلة.. ونفس الكنافة.. وذات الطعم من الجنة.. وفجأة وضع صاحبنا لوحة مكتوبة بخط يد جميل في تلك الأيام تقول بوضوح: «لا يوجد لدينا فرع آخر».

بحكم الفجع وطعم الكنافة اللذيذ الذي يدغدغ نهايات التذوق في العضلة التي لا تعرف الكسل، تعاطف الجميع معه وبدأوا ينظرون بعين الشك إلى محل الكنافة الآخر في المدينة المجاورة، ولكن المفاجأة كانت حين وضع الأخير لوحة مطبوعة بالحاسب الآلي يقول فيها: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا يوجد لدينا فروع أخرى خاصة في مدينة (…)، كانت الإشارة مباشرة والحوقلة في البداية استطاعت استمالة الجماهير.. خصوصاً أنك تعرف أن الجماهير مؤمنة وتحب طعم الجنة!

بدأت الفتنة بعدها بعامين حين تغيرت قوانين اللوحات التجارية، وقام كلا المحلين باستبدال لوحته ليضع بدلاً منها اسمه التجاري بوضوح وقد أضاف كلٌّ منهما كلمة «الأصلي» وراء اسمه.. كنافة فلان «الأصلي» احذروا التقليد.

حتى سقوط بغداد كنت أعرف أنني مسلم، مسلم فقط! وبعد السقوط اكتشفنا أننا أهل السنة والجماعة.. وهو ما لم نكن نختلف فيه.. واليوم أكتشف أنني لست من أهل السنة والجماعة؛ إذ إن لها مواصفات وشروطاً معقدة وضعها العلماء الأفاضل في جلسة شركسية.. أصبت بالإحباط.. تخيل حين يطلب منك والداك بعد أربعين عاماً أن تجلس إليهما في الغرفة الخلفية: «إنت مش ابننا يا تامر.. إحنه متبنيينك!! لكن التبني حرام يا ماما! معلش.. المخرج عايز كده!».

بعدها بساعات قليلة عادت إليّ روحي المعنوية بعد تأكيد عدد آخر من العلماء الأفاضل في جلسة شرقية بأنني من أهل السنة والجماعة! وأنه «ما علي من حد».. عدت إلى الغرفة الخلفية وأشرت للمخرج وللممثلة الرديئة بإشارة بذيئة وخرجت!

يا جماعة!! لقد مللنا فعلاً.. وحتى الجماعة ملوا… طالما أن هناك «جماعة» مع أهل السنة فكلنا «جماعة».. من لم يكن من الجماعة فهو حتماً من جماعة أخرى!! قبلتنا واحدة.. وإلهنا واحد.. ولدينا جيل يعلم الله الواحد وحده ما ينتظره من تحديات.. ولدينا أحلام لأمتنا وطموحات نرغب في تحقيقها.. فنرجوكم لقد تعبنا ومللنا من خلافاتكم التي تغرق الغرقان أكثر.. خذوا بضاعتكم واتركونا!

وليكن في علمكم.. للتاريخ فقط.. أن مستثمراً أجنبياً زار البلد واشترى بعد ذلك محلي الكنافة المذكورين ووحّدهما تحت اسمه التجاري!.. والحق يقال: لايزال الطعم نفسه!

*نقلاً عن صحيفة الإمارات اليوم

أخبار مُوصى بها :